الحياة رحلة يعيشها الإنسان، وهي مزيج من التجارب والدروس التي تشكّل شخصية الإنسان وتمنحه الخبرة والنضج، وفي هذه الرحلة الشاقة هناك خدعة كبيرة وخطيرة جدا يقع بها أذكى المسؤولين، خدعة ترتدي ثوب الاحتراف والانضباط العالي، ولكن في الحقيقة هي عملية استنزاف بطيئة وممنهجة للغاية، يقال لهم باستمرار... تحمل أكثر، اصبر أكثر، كن أكثر نضجا، تجاهل من حولك من تحديات.
يدربون أنفسهم على الصمت، امتصاص التوتر، واحتواء السلوكيات السامة باسم الحكمة وإدارة الضغوط، ولكن لا أحد يخبرهم بالحقيقة الصادمة... الاحتراف والإبداع لا يعني أن تحترق وظيفيا بصمت.
أخطر أنواع الاحتراق الوظيفي ليس ذاك الذي ينهار وسط أنظار الجميع، بل هو الذي يبتسم في الاجتماعات وكأن شيئا لم يكن.
هناك قادة متميزين جدا، إنجازاتهم واضحة، قراراتهم دقيقة، نتائجهم ملموسة على أرض الواقع، ومع ذلك يعيشون في حالة دفاع دائم عن انجازاتهم، يحاولون إدارة الضغوط من حولهم، احتواء السياسة، تفادي الصراعات، وامتصاص السمية، ومع مرور الوقت، لا يخسرون وظائفهم فحسب… بل يخسرون ... حماسهم، صوتهم، وثقتهم الداخلية بأنفسهم بشكل تدريجي.
المشكلة ليست في البيئة وحدها، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع السمية لأنها تستنزف كل مالدينا، فعندما تحاول "إدارة السمية”، فأنت في حالة تفاعل دائم، ويكون لك أيضآ ردة فعل، فأنت لا تقود في هذه اللحظة.... فالقيادة الحقيقية لا تعني امتصاص الضربات، بل إعادة تشكيل موازين التأثير.... القادة الأقوياء لا يديرون السمية، بل يعيدون تعريف قواعد اللعبة وإدارة المشهد من زاوية جديدة.
الفرق بين قائد يحترق وقائد يفرض حضوره ليس في الذكاء أو عدد سنوات الخبرة. ...الفرق هنا في الحضور القيادي.... الحضور ليس برفع الصوت، وليس بمنصب يكتب على بطاقة تعريف، وليس كاريزما سطحية.... الحضور هو قدرة الفرد على تغيير طاقة المكان عند دخوله، إعادة ضبط الحوار عندما ينحرف عن مساره، وضع حدود دون اعتذار، وقول "لا” دون عدوانية واختلاف...هو قدرته أيضًا على تحويل التوتر إلى وضوح، والصراع إلى نفوذ.... الحضور يعني أن تكون مركز الثقل في المعادلة، لا على الهامش.
معظم القادة يعيشون في وضعية النجاة والدفاع دائما، ويتجنبون الاحتكاك، يحسبون كلماتهم أكثر من اللازم، يحاولون إرضاء الجميع، ويديرون المشاعر أكثر مما يديرون النتائج، ولكن النجاة في هذه الحالة تستهلك طاقة هائلة جدا، ولا تبني سيطرة على الموقف، القائد المؤثر يتحرك بطريقة مختلفة تماما...... يحدد الإطار العام في التعامل قبل أن يُفرض عليه، يعيد صياغة المشهد من جديد، يضع الحدود مبكراً، ويتحرك من الداخل ...السيطرة على المشهد ليست عدواناً، بل وضوحاً.
أفضل القادة يحترقون تحديداً لأنهم يعتمدون على الأداء وحده، الأداء يجلب الترقيات فقط، ولكنه لا يحميك من السياسة العامة للمؤسسة لطبيعة التفاعلات الداخلية....فهنا الانجاز غير مطلوب..... وهناك مثال يبسط الفهم أكثر في بيئات العمل التكنولوجي والتي تعد عالية الضغوط، لا يُقاس النجاح فقط بما تنجزه، بل بمدى قدرتك على التأثير والتغيير في السرد الداخلي للمؤسسة، فالأقوى هنا يتحدد بديناميكيات القوة، التحالفات، واتجاه القرار.... إن لم تتحكم في السرد، سيتحكم بك لا محاله، وإن لم تصنع نفوذك، سيُعاد تعريفك من قبل الآخرين.
هناك برامج مهمه للقادة تحت عنوان "امتلك تأثيرك” هذه البرنامج تعد مساحة عمل عميقة للقادة الذين سئموا من وضعية النجاة، ويريدون الانتقال إلى وضعية السيطرة والحضور الطاغي.... هذا البرنامج لا يهدف إلى جعلك ألطف أو أكثر تحملاً، بل إلى أن تصبح أوضح، أقوى حضوراً، أدق في التأثير، أكثر هدوءاً تحت الضغط، وأكثر قدرة على إعادة هندسة صورتك القيادية داخل المؤسسة التي تعمل بها.
عندما تمتلك تأثيرك في محيط عملك، يتغير أسلوب حديث الآخرين معك... تختفي محاولات التقليل من شأنك.... تصبح قراراتك مرجعية، وينخفض الاحتكاك غير الضروري، ويرتفع وضوح الفريق.... يتحسن الاحتفاظ بالمواهب لأن الناس تتبع القادة الواضحين.... النفوذ الحقيقي يقلل الفوضى، والوضوح يقلل الصراع..... العائد ليس نفسياً فقط، بل استراتيجي وتنفيذي ملموس.
إذا كنت تعمل بضعف طاقتك، تأكد أن تسير بحذر مفرط، وتثبت نفسك مراراً رغم سجل إنجازاتك، وإذا بدأت تشك في أن قيمتك بدأت تقل في مكان عملك ، فالمشكلة ليست في كفاءتك. ...المشكلة أنك لم تقرر بعد أن تمتلك تأثيرك، وعندما تفعل، لن تحتاج لإدارة السمية، لأن السمية ستعيد حساباتها أمام حضورك.