في سجلات الدولة الأردنية ، تبرز أسماء رجال لم يكونوا مجرد مسؤولين عابرين ، بل كانوا صمامات أمان وركائز استقرار في منعطفات تاريخية حاسمة . ومن بين هذه القامات السامقة ، يبرز اسم المغفور له الشريف حسين بن ناصر ، الذي تولى سدة رئاسة الوزراء في ثلاث حكومات شكلت ملامح هامة من حقبة الستينيات .
نشأة هاشمية ورؤية دبلوماسية :
وُلِد الشريف حسين بن ناصر في رحاب مدينة الطائف عام 1902 م ، ونشأ في بيئة سياسية ودبلوماسية بامتياز ، حيث تلقى تعليمه في إسطنبول ، ما أكسبه سعة أفق وإلماماً باللغات وشؤون الإدارة الدولية . هذه الخلفية الثقافية جعلت منه دبلوماسياً محنكاً قبل أن يكون رجل دولة ، حيث مثل الأردن سفيراً في عواصم كبرى كإسبانيا وتركيا ، ناقلاً رسالة المملكة بذكاء وهدوء .
رجل المهمات الصعبة :
لم يكن وصول الشريف حسين بن ناصر إلى رئاسة الوزراء خلال الفترة الواقعة بين 1963 م و 1967 م مجرد استحقاق إداري ، بل كان استجابة لضرورات وطنية . وقد عُرف بكونه رجل المهمات الصعبة ، نظراً لقدرته الفائقة على إدارة الأزمات وتهدئة التجاذبات السياسية الداخلية والإقليمية التي عصفت بالمنطقة آنذاك .
تميزت فترات رئاسته الثلاث بالآتي :
١ ) تعزيز الجبهة الداخلية : ركزت حكوماته على تمتين الوحدة الوطنية وترسيخ هيبة الدولة .
٢ ) الحكمة في التعامل مع الأزمات : تولى الرئاسة في مطلع عام 1967 م ، وهي فترة كانت حبلى بالتحديات العسكرية والسياسية ، فكان نعم المستشار الأمين للمغفور له الملك الحسين بن طلال .
٣ ) الزهد والنزاهة : عُرف عن الشريف الراحل ترفعه عن المظاهر ، والتزامه بمسلك وظيفي وأخلاقي صارم ، مما جعله محل ثقة مطلقة من القيادة والشعب على حد سواء .
إرث لا يغيب :
رحل الشريف حسين بن ناصر عام 1982 م ، تاركاً وراءه مدرسة في الإدارة السياسية تقوم على مبدأ الخدمة الصامتة . إن قراءة سيرته اليوم ليست مجرد استذكار للتاريخ ، بل هي استحضار لنموذج رجل الدولة الذي يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار ، ويؤمن بأن المسؤولية تكليف لا تشريف .
سيظل الشريف حسين بن ناصر علامة فارقة في مسيرة بناء الأردن الحديث ، ورمزاً من رموز الرعيل الأول الذين شيدوا مداميك النهضة الهاشمية بوعي وإخلاص .