في الحادي والعشرين من آذار عام 1968 م ، وعلى ضفاف النهر الخالد ، لم تكن الشمس وحدها هي التي تشرق ، بل كان فجراً جديداً انبعث من فوهات بنادق نشامى الجيش العربي المصطفوي . واليوم ، ونحن نحيي الذكرى الثامنة والخمسين بعد الخمسين لهذه الملحمة ، نقف بإجلال أمام تاريخ صاغه الأبطال بدمائهم ، ليبقى الأردن عصياً على الانكسار وجبيناً لا ينحني إلا لله .
خيوط الفجر : تحطم وهم الجيش الذي لا يقهر :
بدأت فصول المعركة في تمام الساعة الخامسة والنصف صباحاً ، حين دفع العدو بقواته عبر أربعة محاور جغرافية استراتيجية ، ظناً منه أن المهمة نزهة عسكرية لن تتعدى ساعات . كان الهدف من محور جسر الأمير محمد ( داميا ) الوصول إلى مثلث المصري ثم السلط ، بينما ركز الهجوم على محور جسر الملك حسين ( الشونة الجنوبية ) لاختراق وادي شعيب باتجاه العاصمة عمان . وفي الجنوب ، حاول العدو عبر محور جسر الملك عبد الله ( سويمة ) الوصول إلى ناعور ، فيما كان محور غور الصافي هجوماً تضليلياً لتشتيت الجهد الدفاعي .
لكن العدو اصطدم بإرادة فولاذية ، فاستحالت أراضي الأغوار مقبرة لآلياته وطموحاته ، حيث دمرت سواعد النشامى 27 دبابة و 18 ناقلة جنود ، وأسقطت 7 طائرات مقاتلة في حصيلة أذهلت المراقبين العسكريين دولياً .
القيادة والبطولة : رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه :
لم تكن الكرامة مجرد انتصار عسكري ، بل تجسيداً للتلاحم القيادي والميداني ، فقد كان جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال - طيب الله ثراه - في قلب المعركة ، يشد من أزر الجند ويقود دقة النصر بحكمة من تلة المصلى التي شهدت إشرافه المباشر .
وبرزت في الميدان قامات عسكرية فذة أدارت المعركة باقتدار ، يقودهم الفريق الركن مشهور حديثة الجازي ( رئيس الأركان آنذاك ) الذي سجل موقفاً تاريخياً برفض وقف إطلاق النار حتى انسحاب آخر جندي معتدٍ ، واللواء الركن كاسب صفوق الجازي ( قائد لواء القادسية ) الذي سطر ورجاله أروع صور الثبات .
قوافل المجد : دماء روت ثرى الوطن :
ارتقت في هذه المعركة كوكبة من 86 شهيداً ، جعلوا من أجسادهم جسوراً ليعبر الوطن نحو النصر . نذكر منهم بطل مثلث المصري المقدم الركن صالح الشويعر ، الذي استشهد داخل دبابته وهو يواجه رتلاً كاملاً بصلابة نادرة . والملازم أول خضر شكري يعقوب ، الذي خلد اسمه حين طلب من مدفعية الجيش العربي القصف على موقعه الشخصي لضمان إبادة قوات العدو التي تحيط به .
كما انضم لركب الخالدين الملازم أول عارف الشخشير من سلاح الهندسة ، والرقيب سالم الخصاونة ، والجندي أول طه المومني ، والجندي محمد هويمل الزبن ، والجندي راتب محمد سعد البطاينة ، والجندي أحمد شاكر فياض . هؤلاء الأبطال واجهوا دبابات السنتوريون من المسافة صفر ، وأثبتوا في شوارع بلدة الكرامة أن التفوق ليس بالسلاح بل بعقيدة القتال .
شبابنا اليوم : حراس الكرامة وسواعد البناء :
إن استذكار الكرامة اليوم يضع شبابنا أمام مسؤولية عظيمة ، فهم الورثة الشرعيون لهذا المجد . إن روح الكرامة لا تتوقف عند حدود المعارك العسكرية ، بل تتجلى اليوم في إصرار الشباب الأردني على التميز والإبداع في ميادين العلم والعمل . إنهم يستلهمون من تضحيات أجدادهم في الأغوار قوة العزيمة لمواجهة التحديات المعاصرة ، مؤمنين بأن الحفاظ على سيادة الوطن يبدأ من حمايته فكرياً وتنموياً . فكل شاب يبني لبنة في هذا الوطن هو امتداد لذاك الجندي الذي صان العهد خلف فوهة بندقيته .
مدرسة الانتماء المستمرة :
إن معركة الكرامة تتجاوز كونها حدثاً تاريخياً ، فهي مدرسة وطنية تعلمنا أن الحق لا يضيع ما دام وراءه مطالب . هي رسالة للأجيال القادمة بأن الحفاظ على منجزات الوطن هو استمرار لروح الكرامة ، وأن بناء المستقبل يتطلب استلهام تضحيات الرعيل الأول الذين صانوا العهد وأدوا الأمانة بكل شرف وإخلاص .
حفظ الله الأردن عزيزاً شامخاً تحت ظل قيادته الهاشمية ، ورحم الله شهداءنا الأبرار ، وأدام علينا نعمة الأمن والكرامة .