بين أروقة المخابرات العامة وطاولات صنع القرار في رئاسة الوزراء، رسم الراحل مضر بدران ( 1934م -2023م ) مساراً فريداً في تاريخ الأردن الحديث. لم يكن مجرد رئيس وزراء تقليدي، بل كان رجل المرحلة الذي استدعاه الملك الحسين بن طلال - طيب الله ثراه - في أدق المنعطفات، ليثبت أن الإدارة ليست مجرد قرارات، بل هي مزيج من الحزم الأمني والرؤية التنموية.
من جرش إلى دمشق : ملامح التكوين :
في مدينة جرش التاريخية، بدأت أولى خطوات أبو عماد. نشأ في كنف قاضٍ شرعي، مما زرع فيه الانضباط واحترام القانون. سافر إلى دمشق الخمسينيات، التي كانت تموج بالتيارات الفكرية والسياسية، ليعود منها حاملاً إجازة في الحقوق ودبلوماً في المالية، متسلحاً برؤية قانونية واقتصادية ستشكل لاحقاً عماد فلسفته في الحكم.
بناء المؤسسات : اليرموك وبوابات المستقبل :
إذا كان التاريخ يذكر لبدران حزمه، فإن الجغرافيا الأردنية تشهد له بإنجازاته. كان بدران يؤمن بأن قوة الدولة تنبع من عقول أبنائها ، لذا لم يكن غريباً أن يرتبط اسمه بتأسيس صروح علمية كبرى.
جامعة اليرموك : قاد اللجان الملكية لتأسيسها، مؤمناً بأن شمال الأردن يحتاج لمركز إشعاع حضاري ينافس إقليمياً.
الأمن الغذائي : هو صاحب رؤية صوامع الحبوب التي لا تزال حتى اليوم صمام أمان للأردن في الأزمات العالمية، مؤكداً أن الاستقلال السياسي يبدأ من رغيف الخبز.
دبلوماسية الألغام .... والنجاة من الاغتيال :
عاش بدران عقد الثمانينيات على إيقاعين متناقضين ، إيقاع البناء الإداري المتمثل في سياسة الحواف
— وهي منظومة المكافآت التي استهدف من خلالها شحذ همم الموظفين وتعميق انتمائهم —وإيقاع الصراع السياسي الحاد مع دمشق. ورغم نجاته من محاولة اغتيال آثمة عام 1981م في عمان، لم يفقد بوصلته أو رباطة جأشه. ظل ممسكاً بزمام الملفات الإقليمية المتفجرة، من أتون الحرب العراقية الإيرانية إلى تعقيدات المشهد الفلسطيني، مدبراً لشؤون الدولة بعقلية الضابط المنضبط ورؤية السياسي المحنك.
عام 1989م : العبور نحو الديمقراطية
لعل أبرز اختبارات بدران كانت عودته لرئاسة الوزراء عام 1989م بعد هبة نيسان. في تلك اللحظة، كان المطلوب رجلاً يمتلك ثقة القصر وقدرة الحوار مع الشارع. قاد بدران مرحلة إلغاء الأحكام العرفية، وأشرف على انتخابات برلمانية تاريخية شاركت فيها كافة التيارات، مبرهناً على أن رجل الأمن هو الأكثر إدراكاً لضرورة الإصلاح السياسي لضمان الاستقرار.
القرار : مذكرات لم تغلق ملفات التاريخ :
في سنواته الأخيرة، لم يكتفِ بدران بالصمت. أصدر كتابه القرار الذي كان بمثابة زلزال في الأوساط السياسية، حيث كشف فيه عن كواليس لم تُروَ من قبل، واضعاً النقاط على الحروف في علاقة الأردن بمحيطه العربي، ومدافعاً عن نهجه الذي رأى فيه حماية لكيان الدولة من الانهيار وسط العواصف.
الرحيل .... وبقاء النهج :
رحل مضر بدران في نيسان 2023م، تاركاً خلفه مدرسة في الإدارة والولاء. مدرسة تعتمد على العمل بصمت، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على الشعبوية الزائلة. يبقى أبو عماد في ذاكرة الأردنيين ذلك الرجل الذي أدار عين العاصفة بذكاء، وبنى مؤسسات لا تزال شامخة، لتكون شاهدة على عصر من البناء والتحدي.