لم تكن مجالس العيد هذا العام كما عهدناها، فقد غاب صفاء الفرح عن تفاصيلها، وحضرت في زواياها غصةٌ ثقيلة، ونحن نستذكر كوكبةً من رجال الأمن العام الذين ارتقوا وهم يذودون عن شباب الوطن، ويقفون في وجه آفةٍ لم تعد خفية، بل باتت تهدد كل بيتٍ وكل أسرة. رحمهم الله رحمةً واسعة، ونسأل الله الشفاء العاجل للمصابين، وأن يحفظ هذا الوطن من كل سوء.
في تلك المجالس، لم يكن الحديث عن العيد بقدر ما كان عن الخطر الذي يتسلل بهدوءٍ إلى مجتمعنا، خطرٌ لا يُسمع له صوتٌ مرتفع، لكنه يترك أثرًا مدمرًا في الأرواح والعقول. آفة السموم لم تعد مجرد ظاهرة، بل أصبحت معركة مفتوحة تستهدف شبابنا، وتعبث بأمننا المجتمعي، وتضرب في عمق القيم التي تربينا عليها.
ورغم الجهود الجبارة التي تبذلها الأجهزة الأمنية، والتضحيات الكبيرة التي يقدمها رجالها، إلا أن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن صمت المجتمع أخطر من هذه الآفة نفسها. نعم، حين نصمت عن الخطأ، أو نتغاضى عن المروجين، أو نعتبر الأمر بعيدًا عنا، فإننا نمنح هذه السموم فرصةً أكبر للانتشار، ونفتح لها أبوابًا لم تكن لتُفتح لولا هذا الصمت.
المعركة اليوم لم تعد مسؤولية جهةٍ بعينها، بل هي مسؤولية تبدأ من داخل البيت، من الأب الذي يراقب بحكمة، ومن الأم التي تحتضن بوعي، ومن الحوار الصادق الذي يبني جدارًا منيعًا في وجه الانحراف. فالأبناء لا يحتاجون فقط إلى توجيه، بل إلى قربٍ حقيقي يشعرهم بالأمان، لأن الفراغ هو البيئة الأكثر خصوبةً لكل خطر.
وفي المجتمع، لا مجال للحياد، فإما أن نكون جزءًا من الحل، أو نكون دون أن نشعر جزءًا من المشكلة. الإبلاغ، التوعية، الموقف الصريح، كلها أدوات لا تقل أهمية عن أي جهد أمني، بل قد تكون في كثير من الأحيان الحاجز الأول الذي يمنع وصول الخطر.
إن أخطر ما يمكن أن نصل إليه هو أن نعتاد هذا المشهد، وأن يصبح الحديث عنه أمرًا عابرًا في مجالسنا، لأن الاعتياد هو بداية الهزيمة. نحن اليوم أمام اختبار حقيقي لوعينا ومسؤوليتنا، فإما أن ننهض كمجتمعٍ حي، أو نترك أبناءنا في مواجهة مصيرٍ لا يرحم.
وفي هذه المجالس، يبقى الأمل أن يتحول هذا الحديث من مجرد كلمات إلى أفعال، وأن تعود أيامنا القادمة أكثر طمأنينة، وأن يبقى الأردن قويًا بأبنائه، عصيًا على كل آفة، محفوظًا بوعي أهله قبل أي شيء آخر.