في زمنٍ تتعرض فيه الحقائق لمحاولات ممنهجة من التشويه والتزييف من قبل البعض، لم يعد الصمت موقفًا، ولم تعد اللغة الرمادية مقبولة لم تعد عبارة" عدو عدوي صديقي" منطقيه . هناك لحظات فارقة تُفرض فيها الكلمة الواضحة، ويُصبح فيها الاصطفاف الأخلاقي والوطني واجبًا لا خيارًا.
إسرائيل ليست دولة طبيعية، بل عصابة محتلة، عصابة مارقة متمردة على القانون الدولي، قامت على اقتلاع شعبٍ من أرضه، وشرعنت وجودها بالقوة، وما زالت تمارس سياسات القتل والتهجير دون أي اعتبار للقيم الإنسانية أو المواثيق الدولية. هذه حقيقة لا تحتمل النقاش ولا تقبل التجميل، وأي محاولة لتخفيفها أو وضعها في إطار المقارنة مع غيرها، هو تضليل مرفوض وانحياز واضح للباطل.
القضية الفلسطينية ليست ملفًا سياسيًا عابرًا، بل جرح مفتوح في ضمير العالم، عنوانه الحق المسلوب، والإنسان الذي حُرم من أرضه وكرامته.
وفي المقابل، فإن إيران دولة اعتدت على سيادة الأردن، وهذا الاعتداء مرفوض بشكل قاطع، لأنه يمس دولة ذات سياده عُرفت عبر تاريخها بأنها صاحبة صوت العقل في محيطٍ ملتهب. الأردن لم يكن يومًا طرفًا في تأجيج النزاعات، بل كان دومًا ركيزة للاستقرار، ومنبرًا للحكمة، وداعمًا للحلول السياسية التي تحفظ أمن الشعوب وتصون كرامتها.
وهنا لا بد من التوقف عند نقطة بالغة الخطورة؛ إذ إن دعوات بعض الأصوات للاصطفاف مع إيران، بذريعة أنها تواجه العصابة الإسرائيلية المغتصبة للأراضي الفلسطينية، تمثل انحرافًا خطيرًا في البوصلة الوطنية، بل وتُعدّ عقوقًا صريحًا بحق الأردن، وقيادته، وشعبه. فلا يمكن تبرير الاعتداء على سيادة الوطن تحت أي شعار، ولا يجوز القفز فوق كرامة الدولة وأمنها بحجة الصراع مع الاحتلال. فالوطن أولى بالولاء، وسيادته فوق كل اعتبار، وأي خطاب يبرر المساس بها هو خطاب مرفوض ومدان.
الأردن، الذي اختار طريق الاتزان في زمن الفوضى، لا يمكن أن يُفسَّر موقفه على أنه ضعف، بل هو تعبير عن قوةٍ واعية تدرك متى تضبط النفس، ومتى تفرض هيبة الدولة. فالسيادة الأردنية ليست محل نقاش، ولا يمكن لأي جهة أن تتجاوزها دون أن تواجه موقفًا حازمًا لا لبس فيه.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تتحرك القيادة الأردنية بثبات، تجوب عواصم العالم ، وتحشد المواقف الدولية، لتؤكد أن العالم لا يمكن أن يُدار بمنطق الفوضى، وأن الاحتكام للقانون الدولي هو السبيل الوحيد لتجنيب الشعوب مزيدًا من المآسي. هذه ليست مجرد دبلوماسية، بل مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان أينما كان.
لكن، رغم كل هذا الوضوح، ما زال هناك من يحاول خلط الأوراق، وتذويب الفوارق بين احتلالٍ واضح، وعدوانٍ مرفوض. وهنا لا بد من الحسم: لا مساواة بين من يغتصب الأرض ومن يدافع عنها، لا مساواة بين من ينتهك القوانين ومن يدعو إلى تطبيقها، ولا مساواة بين من يصنع الأزمات ومن يسعى لإخمادها.
الاحتلال جريمة، والاعتداء على سيادة الدول جريمة، والصمت عنهما تواطؤ. هذه معادلة لا تقبل النقاش ولا التفسير.
ختامًا، نحن أمام معركة وعي لا تقل خطورة عن أي مواجهة أخرى. إما وضوحٌ يضع الأمور في نصابها، أو ضبابية تفتح الباب أمام المزيد من الفوضى. وبين هذا وذاك، يبقى الأردن ثابتًا في موقعه: صلبًا في الدفاع عن سيادته، صادقًا في نصرة الحق، وحاسمًا في رفض كل أشكال الظلم، أيًا كان مصدرها.