بوصفي أردنية ينهل انتمائي من عمق الجذور، وتتشكل هويتي من صلابة هذا التراب الطهور، وبوصفي أستاذة لمساق التربية الوطنية في جامعة فيلادلفيا، لا أتعامل مع الموقف الأردني كخبر يتلى… بل كقيمة سيادية تُدرّس وكمعنى نغرسه في وعي طلبتنا قبل أن نكتبه في السطور.
وأنا أكتب هذه الكلمات، أشعر أنني لا أصف موقفاً سياسياً فحسب، بل أعبر فيه عن قناعة راسخة تربينا عليها كأردنيين: أن السيادة ليست شعار، بل ممارسة، وأن الكرامة الوطنية لا تُجزأ.
في زمن اختلطت فيه الحقائق بالضجيج، وتماهت فيه المواقف بين المجاملة والمساومة، ارتفع صوت الدولة الأردنية بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، صوتاً ممهورا بهيبة القرار، ومسنودا بشرعية تُفرض بميزان الحكمة والصلابة.
لم يكن هذا الموقف مجرد رفض دبلوماسي بل فعلا سياديا مكتمل المعنى...
حين أُغلق الباب في وجه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، لم يُغلق باب لقاء… بل أُغلق باب توظيف السياسة في تجميل واقعومأزوم.
ذلك الرفض قرارا محسوبا يرسخ معادلة واضحة:
أن الأردن لا يكون إلا حيث تكون الكرامة، ولا يقف إلا حيث تقف المبادئ.
لقد تحدث الأردن بلغة واضحة:
لا تهجير… لأن الأرض لأهلها.
لا عبث بالضفة… لأنها خط أحمر...
القدس جوهر القضية، والوصاية الهاشمية عليها مسؤولية لا تقبل التنازل.
والدولة الفلسطينية حق لا يسقط ولا يُرحّل..
وهذا تحديداً ما أحرص دائماً على نقله لطلبتي الاعزاء من خلال مساق التربية الوطنية ومساقات أخرى : أن المواقف العظيمة لا تُقاس بحجم التصريحات، بل بقدرتها على الصمود أمام الضغوطات ..
وفي عمق هذا المشهد، تتجلّى قوة الدولة الأردنية: حزم هادئ، وثبات لا يتزعزع، وقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة التي تتردد فيها كثير من الأطراف.
وأنا كأردنية أشعر أن هذا الصوت الذي خرج من الأردن ما هو إلا امتدادا لذاكرة وطن، وإرث قيادة، ووعي شعب يعرف متى يقول "نعم”… ومتى يقول "لا”...
ذلك هو الأردن—
إذا قال، أوجز فأبلغ،
وإذا قرر، حسم فأثبت،
وإذا وقف، انتصب بثبات لا ينكسر.
وفي ختام هذا الموقف الذي يليق بالأوطان العظيمة، لا يسعنا إلا أن نرفع الدعاء مقروناً بالإيمان وباليقين:
حفظ الله الأردن حصنا منيعا، وأدام على ثراه نعمة الأمن والثبات،
وأيّد جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين بنصر من عنده، وسدد خطاه، وجعل حكمته سيفا للحق ودرعا للأمة،
وأبقى الراية الهاشمية خفّاقة في سماء المجد، لا تنحني إلا لخالقها، ولا تزداد إلا رفعة وعلوا وهيبة ..
والنصر لفلسطين… وعد لا يسقط، وحق لا يُطمس،
والقدس باقية في وجدان الأمة، عصيّة على الانكسار،
مهما اشتد ليل الظلم، فلا بدّ للفجر أن يولد،
ولا بدّ للحق أن ينتصر، وللأرض أن تعود لأهلها بإذن الله..