في المشهد السياسي الأمريكي، يُنظر غالباً إلى الرئيس بصفته الرجل الأقوى في العالم. لكن القراءة العميقة لسيرورات الحكم في واشنطن تكشف عن هيكلية مغايرة؛ حيث يعمل الرئيس ضمن "قضبان سكة حديد" وضعتها مراكز قوى مؤسسية (الاستخبارات، البنتاغون، الاحتياطي الفيدرالي، ومجمعات التصنيع العسكري). وفي هذا السياق، يبرز دونالد ترامب ليس كخارج عن النظام، بل كـ "ناطق" باسم توجهات جديدة لهذه المجالس الحاكمية، تهدف إلى إعادة تموضع أمريكا عالمياً.
1. ترامب: "وزير الإعلام" لسياسة "أمريكا أولاً"
رغم لغته الهجومية ضد "الدولة العميقة"، يرى محللون أن ترامب نفذ أجندات كانت "معدة مسبقاً" في أدراج مراكز الفكر (Think Tanks) والمجالس الحاكمية التي رأت أن العولمة بصورتها القديمة استنزفت القوة الأمريكية لصالح الصين.
•الحرب التجارية: لم تكن قراراً مزاجياً، بل كانت توصية مؤسسية من مكتب الممثل التجاري الأمريكي والأمن القومي لوقف الصعود التكنولوجي الصيني.
•اتفاقيات "إبراهام": كانت نتاج سنوات من التخطيط في أروقة الأجهزة الأمنية والمجالس السياسية لإعادة صياغة تحالفات الشرق الأوسط، وما ترامب إلا "الوجه التسويقي" الذي امتلك الجرأة لكسر القواعد التقليدية وتنفيذها.
يعتقد الكثيرون أن الرؤساء يتخذون قرارات فردية، لكن التاريخ يثبت أن السياسات الكبرى هي خطوط مستمرة تعبر الإدارات وتاليا عرض لبعض النماذج:
الرئيس باراك أوباما عندما اتخذ قرار "الانسحاب من العراق" ظن البعض انه قرار فردي وفي واقع الامر كان تنفيذاً لاتفاقية (SOFA) التي وُقعت في عهد بوش الابن، وبرمجة مؤسسية لـ "الاستدارة نحو آسيا" (Pivot to Asia).
الرئيس جورج بوش الابن عندما اتخذ قرار غزو العراق ظن البعض انه قرار فردي وفي واقع الامر لم يكن قرار بوش وحده، بل أجندة "مشروع القرن الأمريكي الجديد" (PNAC) التي وضعتها مجالس المحافظين الجدد قبل وصوله للحكم بسنوات.
الرئيس جو بايدن عندما اتخذ قرار الانسحاب من أفغانستان ظن البعض انه قرار فردي وفي واقع الامر تنفيذ لقرار اتخذه ترامب، وتوافق عليه البنتاغون لتقليل الخسائر المادية، مما يثبت أن "القرار للدولة" والرئيس هو المنفذ الزمني.
3. آليات السيطرة: كيف تُدار "البرمجة السياسية"؟
لا يحتاج "المجلس الحاكم" (المكون من رؤساء كبرى الشركات، جنرالات البنتاغون، ومديري البنوك المركزية) لإعطاء أوامر مباشرة للرئيس، بل يتم ذلك عبر:
1.حصر الخيارات: يُعرض على الرئيس في "غرفة العمليات" خياران أو ثلاثة، كلها تخدم في النهاية الاستراتيجية القومية العليا.
2.التدفق المعلوماتي: تسيطر أجهزة الاستخبارات على "الموجز اليومي" للرئيس، مما يشكل وعيه وبناء قراره بناءً على ما يُسمح له بمعرفته.
3.الميزانية: "مجلس الحكم" الحقيقي هو من يسيطر على التمويل (الكونجرس واللوبيات)، وأي رئيس يخرج عن المسار المبرمج يجد نفسه مشلول الحركة مالياً.
4. الخلاصة: ترامب كـ "ظاهرة صوتية" لسياسة صلبة
بناءً على ما سبق، يمكن اعتبار ترامب "مفاوضاً شرساً" و "ناطقاً" باسم قطاع واسع من المؤسسة الأمريكية التي قررت الانكفاء للداخل لإعادة بناء القوة. تصريحاته المثيرة للجدل ليست إلا "ضجيجاً إعلامياً" يغطي على تنفيذ هادئ ومبرمج لسياسات تغيير النظام الدولي التي أقرتها تلك المجالس منذ مطلع العقد الماضي.
المحصلة: في السياسة الأمريكية، الشخصيات تتغير، والخطابة تتبدل، لكن "بوصلة المصالح" التي تضعها المجالس الحاكمة تظل ثابتة، وما الرئيس إلا الممثل الذي يؤدي الدور على المسرح العالمي.