تطل علينا اليوم الذكرى الثالثة والعشرون للتاسع من نيسان عام 2003 م ، التاريخ الذي زلزل أركان المنطقة وقلب موازين التاريخ الحديث ، ففي مثل هذا اليوم الربيعي ، استبيحت أسوار " دار السلام " أمام جحافل الزحف العسكري ، ليُفتح فصلٌ من أدمى الفصول في سيرة العواصم الكبرى ، فصلٌ لا يصفه الوجدان إلا بأنه " ذكرى اغتيال بغداد " .
مدينة المنصور : شموس لا تغيب :
لطالما كانت بغداد ، مدينة أبي جعفر المنصور ، درة التاج ومهبط الوحي العلمي والجمال الحضاري ، وقلعةً شامخةً استعصت على عوادي الزمن ، إلا أن ذلك اليوم من عام 2003 م حمل في طياته غباراً كدر صفو الرافدين ولم ينجلِ تماماً حتى يومنا هذا ، فلم يكن الأمر مجرد سقوط لنظام سياسي ، بل كان زلزالاً ضرب الهوية في مقتل ، وهدم البنية الروحية والمجتمعية لأعرق حواضر الحضارة الإنسانية .
بين لظى الوجع وسطوة الواقع
على امتداد ثلاثة وعشرين عاماً ، تجرعت بغداد كؤوس المخاض العسير ، فمن اضطرابات أمنية وحروب ضروس ضد الإرهاب ، إلى صراعات سياسية وأزمات اقتصادية أثقلت كاهل النخيل ، ورغم كل محاولات التغييب وطمس المعالم ، بقيت " دار السلام " تقاوم بالصبر تارة وبالأمل تارات ، تحاول لملمة جراحها النازفة واستعادة بريقها الذي ملأ الدنيا وشغل الناس يوماً .
حتمية العودة : ميثاق الأرض والسماء :
رغم قتامة الذكرى ، تظل القناعة الراسخة في ضمير الأوفياء تبشر بأن بغداد ستعود ، فالله معكِ يا مدينة السلام بيقين المؤمنين الذين لا يقنطون من روحه ، والتاريخ معكِ يسند خطاكِ لأن الجغرافيا لا تخون أصحابها أبدأ ، ولأن الحضارة الأصيلة تترك في رحم الأرض بذوراً حية لا تعرف الموت ، والكل اليوم معكِ ، يشدون على يديكِ بنبض قلوب العرب الذين لا يزالون يترقبون في مآذنيكِ ومناراتكِ بوصلة المجد الضائعة ، فجذوركِ الضاربة في أعماق الأرض تجعل من كل انكسار مجرد كبوة جواد في مضمار الزمن الطويل .
ستعودين يا قلعة الأسود
ستعودي يا بغداد يوماً لتكوني كما كنتِ دوماً ، قلعةً أبيةً لا تنحني للأعاصير ، ستعودي ويعود مجدك متألقاً في سماء العز ، يمسح برحيقه غبار نيسان عن وجهكِ الطهور ، فبغداد التي انبعثت من رماد المغول قديماً ، هي ذاتها القادرة اليوم على أن تنهض من عثرتها لتمسك بزمام التاريخ مرة أخرى ، ليبقى التاسع من نيسان رغماً عن قسوته ذكرى للألم ، لكنها في جوهرها استنهاضٌ لعزائم الأمل ونفيرٌ للرفعة والخلود .