في كانون الأول من عام 2026، حيث تعانق "مربعانية الشتاء" مآذن الموصل وأبراجها، لم تكن برودة الطقس في "أم الربيعين" سوى خلفية لمشهد من الدفء الإنساني المنقطع النظير. لم تكن مجرد زيارة علمية عابرة، بل كانت رحلة في عمق التاريخ، وجسرًا معرفيًا امتد بين ضفاف جامعة آل البيت في الأردن، وبين أروقة جامعة الموصل الشامخة.
جامعة الموصل: منارة العلم وحسن الوفادة
شهدت أروقة جامعة الموصل حراكًا علميًا مكثفًا، ربما اتعبنا جسديا لكنه اراحنا فكريا ونفسيا، حيث تجلت وحدة المصير الأكاديمي في المناقشات الرصينة والورش التدريبية التي احتضنتها الكليات. لقد تميزت الزيارة التي قمنا بها بتنظيم عالٍ يعكس إرادة الموصل في استعادة دورها كعاصمة للمعرفة. إن ما قدمته رئاسة جامعة الموصل، وكلية التربية بكوادرها التدريسية والإدارية، من حفاوة وتسهيلات، أكد أن كرم الأهل في العراق لا تحده حدود، وأن البحث العلمي هو اللغة التي لا تحتاج إلى تراجم.
بين آشور ونينوى حكايات و ملاحم صاغها الحجر والبشرلم تكن المهمة العلمية بمعزل عن عبق المكان؛ فالتجوال بين أطلال آشور ونينوى كان بمثابة قراءة حية في مجلدات التاريخ القديم. هنا، حيث تهمس الحجارة بأمجاد الإمبراطوريات، يدرك الزائر أن الموصل ليست مجرد مدينة، بل هي أرشيف للحضارة الإنسانية. وكما قال شاعر الموصل قديمًا "السيف أصدق أنباءً من الكتب"، فإن واقع كرم أهلها اليوم كان أصدق من كل ما كُتب وقيل؛ كرمٌ يفوق الخيال، وطيبةٌ تتوارثها الأجيال كابراً عن كابر.
نسيج الموصل الاجتماعي يفيض بالود فخارج أسوار الجامعة، كانت الموصل تفتح قلبها لنا من خلال أهلها جميعا بلا استثناء ولتسمح لي الحدباء ان اخص قبائلها العريقة وأسرها الكريمة. ففي ديوان الدليم تسامرنا بلقاء من القلب الى القلب برفقة فارس من اللهيب وعلى الطريق الطويل بين بغداد والموصل حضرت شمر بمجدها، فتجلى مفهوم "الخوة" والنخوة والضيافة العربية الأصيلة. كان الاحتفاء بالضيوف القادمين من الأردن ومن خارج الموصل لوحة فسيفسائية غمرت الزائرين بلطف لا يُنسى، حضرت كركوك ببهائها داعية ومرحبة بالزائرين لكن ضيق الوقت حال وكفى قدوم أهل على الرغم من بعد المسافة ليكون اكبر تكريم، هو العراق العظيم. أثبتت نينوى رغم كل التحديات التي تعرضت لها، انها ستظل شامخة بأهلها، عصية على الانكسار، وحاضنة لكل محب وعالم.
غادرنا الموصل في ذلك الشتاء، لكن حرارة الاستقبال ظلت تسري في الوجدان. إن التلاقح الثقافي والعلمي بين جامعاتنا الأردنية وجامعة الموصل هو استمرار لرسالة حضارية بدأت منذ قرون ولن تتوقف. ستبقى الموصل في الذاكرة: مدينة العلم، ومنبع الكرم، والقلب النابض في جسد التاريخ العربي.