في البيئات التي تضيق فيها مساحات الفهم، وتتسع فيها فجوات المقارنة، تنمو الغيرة كظلٍّ خفيّ، تتسلل إلى نفوس الفتيات في مرحلتهن الإعدادية، فتتحول — إن لم تُضبط — إلى سلوكيات مؤذية، يتجلى أبرزها في التنمر بأشكاله الصريحة والمبطّنة.
هناك، حيث الكلمة قد تكون خنجرًا، والنظرة قد تحمل حكمًا قاسيًا، تعيش بعض الطالبات صراعًا صامتًا بين الرغبة في القبول والخوف من الرفض، فتتصدع الثقة بالنفس، ويضطرب الاتزان النفسي، وتبهت ملامح الطمأنينة في نفوسٍ ما زالت في طور التشكّل.
ولا يمكن إغفال الدور العميق الذي تؤديه الأسرة في تشكيل هذا السلوك؛ فالعائلة هي النواة الأولى التي تتكوّن فيها ملامح الشخصية، ومنها تستمد الطالبة نظرتها إلى ذاتها وإلى الآخرين. فإن نشأت في بيئة تُكثر من المقارنات، أو تُغذّي روح المنافسة غير الصحية، أو تُمارس النقد الجارح، انعكس ذلك على تعاملها مع زميلاتها، فتجد في التنمر وسيلة لإثبات الذات أو تفريغ مشاعر النقص. أما إذا احتضنتها أسرة تُعلي من قيمة القبول، وتُعزّز الثقة، وتُربّي على التعاطف واحترام الاختلاف، فإنها تُنشئ فتاةً قادرة على بناء علاقات سوية، خالية من الأذى والغيرة المدمّرة.
وفي خضمّ هذا المشهد، يبرز دور مربي الصف لا بوصفه ناقلًا للمعرفة فحسب، بل بوصفه ركيزة تربوية وإنسانية، وصمّام أمانٍ يحفظ توازن البيئة الصفية. فمربي الصف هو الأقرب إلى تفاصيل العلاقات اليومية بين الطالبات، وهو الأقدر على التقاط الإشارات الخفيّة التي قد تغيب عن غيره.
إن تدخّل مربي الصف الواعي لا يكون بالعقاب وحده، بل بالفهم العميق لجذور المشكلة؛ فيحتوي الغيرة قبل أن تتحول إلى أذى، ويعزز ثقافة التقدير بدل المقارنة، ويغرس في النفوس قيمة الاختلاف بوصفها ثراءً لا تهديدًا. وهو بذلك يعيد صياغة العلاقات داخل الصف على أسس من الاحترام والتعاطف.
كما أن كلماته الداعمة قد تكون طوق نجاة لطالبةٍ أنهكها الشعور بالنقص، وموقفه العادل قد يعيد ميزان الطمأنينة إلى بيئةٍ اختلّ فيها الإنصاف. إنه الموجّه الذي لا يكتفي برصد المشكلة، بل يسعى إلى ترميم آثارها، وبناء حصانة نفسية لدى طالباته، تحميهن من الانكسار أمام ضغوط المرحلة.
إننا حين نُعلي من شأن مربي الصف، ونمنحه الأدوات والدعم، ونُدرك في الوقت ذاته أثر الأسرة في التأسيس، فإننا لا نعزز العملية التعليمية فحسب، بل نؤسس لجيلٍ أكثر وعيًا، واتزانًا، وإنسانية.
فلنكن جميعًا جزءًا من الحل… ولتكن التربية، في البيت والمدرسة، نورًا يبسط ظلال الغيرة قبل أن تتحول إلى جراحٍ صامتة.