في السادس عشر من نيسان، يقف الأردنيون وقفة إجلال وإكبار أمام رايتهم التي تعانق عنان السماء، في يوم العلم الأردني. هو ليس مجرد قطعة قماش تتلون بالأصباغ، بل هو تاريخ أمة، وسِفر بطولة، ووثيقة عهد بين شعب وقيادة ووطن. في هذا اليوم، تزدان المدن والقرى والبوادي والمخيمات بألوان العلم الأربعة، وتخفق القلوب قبل الرايات حباً وولاءً وانتماءً لهذا الثرى الطهور.
*أولاً: تاريخ العلم الأردني وجذوره الراسخة*
أُقر العلم الأردني بصورته الحالية عام 1922، مستمداً ألوانه من راية الثورة العربية الكبرى التي فجرها الشريف الحسين بن علي طيب الله ثراه، لتكون عنواناً لوحدة العرب ونهضتهم. وقد جاء وصفه الدقيق في المادة الرابعة من الدستور الأردني: "طوله ضعف عرضه، ويقسم أفقياً إلى ثلاث قطع متساوية: العليا سوداء، والوسطى بيضاء، والسفلى خضراء، ويوضع عليها من ناحية السارية مثلث أحمر قاعدته مساوية لعرض العلم وارتفاعه مساوٍ لنصف طوله، وفي هذا المثلث كوكب أبيض سباعي الأشعة". فكان كل لون فيه حكاية، وكل ضلع فيه رسالة، ليصبح بذلك رمزاً للسيادة والاستقلال.
وقد اختار الهاشميون، منذ فجر التأسيس، أن يكون العلم هو الجامع لكل الأردنيين على اختلاف منابتهم وأصولهم، فالتفوا حوله في ميادين الشرف والبناء، وسقوه بدماء الشهداء الزكية على أسوار القدس وبوابات اللطرون وفي معركة الكرامة الخالدة، حتى غدا رمزاً للفداء والتضحية.
*ثانياً: معاني الألوان ورمزية الكوكب السباعي*
يحمل علم المملكة الأردنية الهاشمية في طياته إرثاً حضارياً عربياً إسلامياً عريقاً، تتجلى معانيه في ألوانه الزاهية:
- *الأسود*: راية العقاب، راية الدولة العباسية، ترمز إلى القوة والبأس والمنعة، وتاريخ من الأمجاد التي سطرها العرب في المشرق والمغرب.
- *الأبيض*: راية الدولة الأموية، ترمز إلى النقاء والسلام والعطاء، وهي سمة الأردنيين الذين ما بخلوا يوماً على أمتهم.
- *الأخضر*: راية آل البيت الأطهار، وراية الدولة الفاطمية، ترمز إلى النماء والخير والخصب، وترمز إلى الأرض التي أحبها الأردنيون وزرعوها وفاءً.
- *الأحمر*: يرمز إلى راية الثورة العربية الكبرى، وإلى التضحية والفداء. هو لون دماء الشهداء التي روت تراب الوطن فأنبتت عزاً وسيادة.
- *الكوكب السباعي*: يتوسط المثلث الأحمر، وأشعته السبع ترمز إلى السبع المثاني في فاتحة القرآن الكريم، وترمز كذلك إلى وحدة الصف العربي ونهضته.
إن هذا المزيج اللوني البديع ليس اختياراً عابراً، بل هو هوية بصرية متكاملة، تصهر التاريخ بالمستقبل، وتجعل من الراية كتاباً مفتوحاً يروي للأجيال قصة وطن قام على الحق والعزم.
*ثالثاً: العلم في وجدان الأردنيين... عهد وولاء*
في وجدان كل أردني، للعلم قدسية خاصة. هو الذي يرفرف فوق المدارس فيُحيّيه الطلبة كل صباح بقسم الولاء. هو الذي يعانق جباه جنودنا البواسل على الحدود، فيذودون عنه بأرواحهم. هو الذي يلف جثامين الشهداء، فيزفهم إلى جنات الخلد برداء العز. هو الذي يرفعه المغترب في غربته، فيشعر بدفء الوطن وقربه.
لقد ارتبط العلم بمسيرة البناء والنهضة التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم حفظه الله ورعاه، فقاد الوطن بحكمة الهاشميين وعزمهم عبر أمواج التحديات الإقليمية والعالمية، وحافظ على الأردن واحة أمن واستقرار، ونموذجاً للإنجاز والاعتدال. فكانت راية الوطن خفاقة في المحافل الدولية، يحملها جلالته مدافعاً عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف.
ويسير على هذا الدرب سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، الذي يحمل الراية بشباب الأردن وعزيمتهم، متسلحاً برؤية ملكية ثاقبة، ومجسداً آمال الأردنيين بمستقبل مشرق. فهو السند لجلالة الملك، والقريب من نبض الشباب، يتقدم صفوفهم في ميادين العمل والعطاء، ليبقى العلم عالياً بجهد سواعد الأردنيين وقيادتهم الهاشمية الحكيمة.
*رابعاً: يوم العلم... تجديد للبيعة والانتماء*
إن الاحتفاء بيوم العلم الأردني ليس احتفالاً شكلياً، بل هو محطة وطنية نجدد فيها العهد والبيعة للوطن والعرش الهاشمي. هو يوم نغرس فيه معاني الفداء والانتماء في نفوس أبنائنا، ونعلمهم أن هذا العلم لم يرتفع إلا بتضحيات جسام، وأن الحفاظ عليه عالياً خفاقاً أمانة في أعناقنا جميعاً.
فيا علمَ البلاد، ستظل رمزنا الخالد، نستظل به ويستظل بنا، نحميه ويحمينا. وستبقى الراية الهاشمية، بقيادة عميد آل البيت جلالة الملك عبدالله الثاني وعضده سمو الأمير الحسين، عنوان مجدنا ورمز وحدتنا، منارة عز تسمو في الأعالي، تشهد أن الأردن كان وسيبقى وطن الكرامة والشموخ، وملاذ الأحرار، وموئل العروبة الأصيلة.
حفظ الله الأردن، وحفظ الراية، وحفظ قائد الوطن وولي عهده، وسدد على طريق الخير خطاهم.