تعيش المنطقة لحظة تحول تاريخية، تتراجع فيها أدوار تقليدية، فيما تتقدم قوى جديدة أكثر قدرة على التأثير وصناعة التوازن. وفي خضم هذا المشهد المتغير، تبرز باكستان بوصفها إحدى الدول المرشحة للعب دور محوري في المرحلة المقبلة، سياسيًا وأمنيًا واستراتيجيًا.
فباكستان لا تستند إلى الخطاب، بل إلى عناصر قوة حقيقية؛ دولة نووية، جيش محترف يُعد من أبرز الجيوش في العالم، قاعدة بشرية واسعة، ومؤسسات قادرة على الحفاظ على تماسك الدولة واستقرارها. وإلى جانب ذلك، تنتهج إسلام آباد سياسة متوازنة مكّنتها من الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع أطراف متباينة، ما منحها قبولًا نادرًا في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
هذا الصعود المحتمل لن يكون مريحًا لإسرائيل ولا لبعض حلفائها، لأن بروز قوة إسلامية مستقلة، تمتلك القرار والسيادة والقدرة، من شأنه أن يعيد رسم الكثير من المعادلات القائمة في المنطقة.
وفي المقابل، يقف الأردن أمام فرصة استراتيجية مهمة، بحكم علاقته التاريخية الراسخة مع باكستان، وهي علاقة لم تكن يومًا عابرة أو موسمية، بل تأسست على الاحترام المتبادل والثقة والتنسيق المستمر منذ عهد جلالة الملك الحسين بن طلال رحمه الله، واستمرت أكثر قوة ورسوخًا في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله.
وتحمل ذاكرة البلدين شواهد مشرّفة على عمق هذه العلاقة، وفي مقدمتها مشاركة الطيار الباكستاني الشهير سيف الأعظم ضمن سلاح الجو الملكي الأردني خلال حرب عام 1967، ومشاركته في الدفاع عن الأردن وفي المواجهات ضد إسرائيل، بما يعكس أن العلاقة الأردنية الباكستانية صيغت بالفعل والموقف المشترك، لا بالمجاملات السياسية.
ومن المهم التذكير بأن محاولات سابقة لقيادة الإقليم، وفي مقدمتها الدور التركي، تعثرت لأسباب عديدة، أبرزها بقاء الذاكرة العربية مثقلة بخلفيات تاريخية ذات طابع استعماري، إلى جانب الشكوك التي رافقت بعض السياسات الإقليمية في السنوات الماضية.
أما باكستان، فتدخل المشهد بصورة مختلفة؛ بلا إرث استعماري في الوعي العربي، وبخطاب أكثر هدوءًا، وعلاقات أكثر توازنًا، وقدرة أكبر على بناء الجسور لا الجبهات. وهذا ما يمنحها فرصًا متقدمة في المرحلة المقبلة.
ويُحسب لجلالة الملك عبدالله الثاني، بسياساته الحكيمة ورؤيته البعيدة، حرصه المتواصل على ترسيخ العلاقات الأردنية الباكستانية عبر الزيارات الرسمية واللقاءات والتفاهمات المشتركة التي عززت هذه الشراكة. كما تعكس هذه السياسة قراءة أردنية مبكرة لأهمية الدور الباكستاني القادم، وضرورة البناء عليه بما يخدم مصالح الأردن والمنطقة.