في الثامن والعشرين من حزيران عام 2014، طوى الموت صفحة رجلٍ لم يكن عابرًا في تاريخ وطنه، بل كان سطرًا ممتدًا من العطاء والتضحية والصدق. رحل اللواء المتقاعد مصلح مثنى اليماني، تاركًا خلفه إرثًا غنيًا من القيم والمواقف التي لا تُنسى، ومسيرةً تجسّد معنى الانتماء الحقيقي للأردن.
وُلد اليماني في مدينة معان، تلك المدينة التي لطالما أنجبت رجالًا حملوا راية الوطن في أصعب الظروف. نشأ في بيتٍ مشبع بروح التضحية، فهو ابن شهيد من شهداء حرب عام 1948، الأمر الذي شكّل وعيه المبكر وزرع في داخله إحساسًا عميقًا بالمسؤولية تجاه الوطن. لم يكن الانتماء بالنسبة له شعارًا، بل كان نهج حياة سار عليه منذ شبابه وحتى آخر أيامه.
التحق بالسلك العسكري، فكان مثالًا للجندي الملتزم والقائد الحكيم. تدرّج في المناصب حتى وصل إلى رتبة لواء، ولم تكن رتبته مجرد لقب، بل كانت انعكاسًا لسنوات طويلة من الجهد والانضباط والعمل المخلص. عرفه زملاؤه قائدًا شجاعًا، لا يتردد في اتخاذ القرار، ولا يساوم على المبادئ. كان يؤمن بأن الجيش ليس فقط مؤسسة عسكرية، بل مدرسة تُخرّج الرجال القادرين على حماية الوطن وبنائه.
لكن شخصية اليماني لم تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل امتدت إلى فضاءات الفكر والأدب. كان شاعرًا يحمل في كلماته صدق التجربة وعمق الإحساس، يكتب للوطن وللإنسان، ويعبّر عن هموم الناس وآمالهم. لم تكن قصائده مجرد أبيات، بل كانت نبض قلبٍ عاشق للأردن، يرى فيه الحلم والمصير.
كما كان مهندسًا ومثقفًا، جمع بين العقل العلمي والوجدان الإنساني، فاستطاع أن يقدّم نموذجًا متكاملًا للإنسان الذي يسهم في بناء وطنه من مختلف الزوايا. آمن بأن المعرفة قوة، وأن الثقافة ضرورة لا تقل أهمية عن السلاح في مواجهة التحديات.
عرفه كل من التقى به إنسانًا متواضعًا، قريبًا من الناس، يحمل همومهم ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم. لم تغره المناصب، ولم تغيّره الرتب، بل بقي وفيًا لأصله وجذوره، متمسكًا بالقيم التي تربى عليها.
رحل مصلح المثنى اليماني، لكن سيرته بقيت حاضرة في الذاكرة الوطنية، تُروى للأجيال كدرس في الإخلاص والوفاء. لقد كان رجلًا اختصر في حياته معاني كثيرة: الشجاعة، الثقافة، الحب الصادق للوطن، والإنسانية النبيلة.
وفي زمنٍ تتبدل فيه القيم سريعًا، تبقى سيرة أمثال اليماني مناراتٍ تُضيء الطريق، وتذكّرنا بأن الأوطان لا تُبنى بالكلمات فقط، بل بالعمل والتضحية والإيمان العميق بها.
رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن وطنه خير الجزاء، فقد كان من أولئك الذين لا يموتون برحيلهم، بل يظلون أحياءً في ذاكرة الوطن وقلوب أبنائه.