البرفيسور- حسن البرماي-رئيس الغرفة البلغارية الاردنية للتعاون الاقتصادي .
ميثاق الكتابة والاستقلال بين عمان وصوفيا
في 21 مايو 2026، لن تحتفل مدينتا عمان وصوفيا بمجرد مناسبة عابرة، بل بتحالف طويل الأمد للتفاهم والتعاون يمتد لأكثر من ستين عامًا. ستقيم السفارة البلغارية في المملكة الأردنية الهاشمية ورابطة الأردنيين الذين أكملوا تعليمهم العالي في الجامعات البلغارية احتفالًا في فندق موفنبيك عمان، متحدين حدثين يفصل بينهما ليلة واحدة فقط: 24 مايو، عيد القديسين كيرلس وميثوديوس، يوم الأبجدية الكيريلية والكتابة البلغارية، و 25 مايو، العيد الوطني للمملكة الأردنية الهاشمية. إن ما يجمع هذين اليومين ليس مصادفة، بل تأكيد على أن الطريق إلى السيادة يبدأ بالكتابة التي تحفظ ذاكرة أمة، وأن الكتابة لا يمكن أن تزدهر إلا في احتضان دولة ذات سيادة.
24 مايو بالنسبة لبلغاريا هو تاريخ مرتبط بتراثها الثقافي. عندما وضع القديسان كيرلس وميثوديوس أسس الكتابة السلافية في القرن التاسع، لم يمنحوا الشعوب السلافية أبجدية لكتابة الكلمات فحسب، بل درعًا لبقائهم. بالأبجدية الكيريلية، التي طورها تلامذتهم في بلغاريا، تمت كتابة الصلوات والقوانين والقصائد الملحمية، وتم الحفاظ على الهوية من النسيان. أدركت بلغاريا مبكرًا أن الأمم يمكن أن تواجه تحديات جغرافية، لكنها لا تسقط طالما أنها تمتلك أبجديتها لسرد قصتها. اليوم، بصفتها عضوًا راسخًا في الاتحاد الأوروبي وشريكًا نشطًا في الناتو، تثبت بلغاريا أن الاستقلال الثقافي هو أساس الاستقلال السياسي.
25 مايو بالنسبة للأردن هو تاريخ مرتبط بجوهره الوطني. الاستقلال منذ عام 1946 ليس توقيعًا على ورقة، بل هو تتويج لعملية وعي ووحدة صاغتها الهوية الهاشمية واللغة العربية. قبل أن يرفع علم الاستقلال، رفعت الكلمة الموحدة، والشعر الموحد، والمدرسة. تقاربت الدولتان حول مبدأ واحد: اللغة التي لا تحميها دولتها تتحول إلى مجرد بقايا، والدولة التي لا تحمي لغتها هي دولة عابرة. أدركت كلتاهما أن القلم الذي يكتب الدستور يسبق القلم الذي يوقع المعاهدة، لأن الأول يرسخ الشرعية، بينما الثاني يعلنها فقط.
على هذا الأساس بالذات، ولدت العلاقات الأردنية البلغارية وتطورت. حافظ الشعبان على اتصال لأكثر من ستين عامًا، تميز بالتفاهم المتبادل والمودة، وبدأت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين الحكومتين في الستينيات من القرن الماضي. منذ بداية الستينيات، التحق طلاب أردنيون بالجامعات في صوفيا وبلوفديف وفارنا وبليفين، ليصبحوا طليعة مهدت الطريق لآلاف الأطباء والمهندسين والصيادلة الذين شكلوا لاحقًا ركائز في القطاعات الحيوية للمملكة. لم يعود هؤلاء الأشخاص بالشهادات فحسب، بل ببلغاريا في قلوبهم، ليصبحوا جسرًا بشريًا لا يتزعزع بفعل الظروف المتغيرة. في المقابل، فتح الأردن أبواب جامعاته ومراكزه البحثية أمام الطلاب والباحثين البلغاريين لدراسة الحضارة العربية والإسلامية. أصبحت عمان بوابتهم إلى الشرق، تمامًا كما أصبحت صوفيا بوابة إلى البلقان للأردنيين.
لم يقتصر هذا التطور على الحكومات والأفراد فحسب؛ بل امتد ليشمل المدن. من المهم هنا الاعتراف بالدور الهام الذي لعبه القنصل الفخري للأردن في بلغاريا، والذي كان مهندسًا حقيقيًا لتوأمة المدن الأردنية والبلغارية. حولت هذه التوأمة الدبلوماسية إلى شأن يومي من خلال التبادل الثقافي، وزيارات البلديات، والمشاريع المشتركة، مما جعل المواطن العادي يشعر بأن الصداقة بين عمان وصوفيا حاضرة في شارعه وفي مدارس أطفاله.
اليوم، يمتد الشراكة إلى ما وراء التعليم. التعاون الطبي والعلمي قيد التنفيذ، والتجارة توفر فرصًا واعدة في المستحضرات الصيدلانية والزراعة الذكية والمجالات التي تتفوق فيها كلتا الدولتين. السياحة العلاجية تمهد أيضًا طريقًا جديدًا، حيث يبحث المرضى البلغاريون عن علاج في مستشفيات عمان والبحر الميت، بينما ينجذب الأردنيون إلى المنتجعات الصحية البلغارية وجمالها الطبيعي. العامل المشترك لا يزال نظام قيم مشترك: احترام الأسرة، واحترام كبار السن، والفخر بالتراث الديني، والإيمان بأن الحداثة لا تعني قطع الروابط مع الجذور. تقف الأديرة البلغارية القديمة والمساجد والكنائس الأردنية جنبًا إلى جنب، شاهدة على أن الهوية يمكن أن تكون جسرًا للتعايش.
لذلك، يجب أن يصبح احتفال 21 مايو منصة عمل تخدم كلا البلدين. دعونا ننشئ برنامج ترجمة متبادل، يمكننا من خلاله تبادل روائع الفكر والأدب بين العربية والكيريلية، لأن الشعوب تقترب عندما تقرأ قلوب وعقول بعضها البعض. دعونا نؤسس كرسي "الملك عبد الله الثاني" للدراسات العربية في جامعة صوفيا وكرسي "القديسين كيرلس وميثوديوس" للدراسات البلغارية في الجامعة الأردنية. دعونا نفعل مجلس الأعمال المشترك لوضع خطة استثمارية في الأمن الغذائي والطاقة والطب، لأن العلاقات العميقة تتطلب اقتصادًا قويًا لدعمها.
عندما ترفع بلغاريا علم الأبجدية في 24 مايو، وترفع الأردن علم الاستقلال في 25 مايو، ترسل العاصمتان رسالة واحدة: الأمم الحرة هي تلك التي تكتب تاريخها الخاص وتحمي سرديتها بلغتها الخاصة. الصداقة الأردنية البلغارية، التي تمتد لأكثر من ستين عامًا، هي بناء بناه قادة حكماء من كلا الجانبين وعززته المحبة المتبادلة وفائدة الشعبين. في هذا الشهر من مايو، من قلب عمان، نعلن الولاء للتاريخ والالتزام بالمستقبل: لتزدهر بلغاريا بثقافتها الكيريلية التي تنير أوروبا الشرقية، ولتزدهر الأردن باستقلالها الذي أصبح رمزًا للاعتدال والسيادة. لتظل جسور الصداقة مفتوحة بين مدننا وعواصمنا وشعوبنا، لأن التحالفات المبنية على الاحترام والتفاهم هي التي تدوم وتحدث فرقًا.