في كل مرة نستيقظ فيها على خبر جريمة جديدة يتسلل إلى النفس شعور ثقيل بأن شيئًا ما يتغير في وجدان المجتمع فلم تعد بعض حوادث القتل والاعتداء أحداثًا استثنائية تهز الناس لأيام طويلة؛ بل أصبحت تتكرر بوتيرة تدفعنا إلى التساؤل بقلق: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها خبر مقتل زوجة على يد زوجها أو أبنٍ على يد أبيه أو أخٍ على يد أخيه جزءًا من المشهد الإخباري اليومي؟
إن الألم الحقيقي لا يكمن في عدد الجرائم فحسب بل في اعتياد سماعها حتى كادت تفقد قدرتها على إحداث الصدمة التي تستحقها..
إن تناول هذه الظاهرة بمنهجية علمية يقتضي الابتعاد عن التفسيرات السطحية أو البحث عن سبب واحد يمكن تحميله مسؤولية ما يحدث..
ثمة مبدأ عقلي يقوم على أن (لكل سببٍ مسبِّبًا) فالجريمة ليست حدثًا معزولًا ينشأ من فراغ وإنما هي غالبًا نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية والقانونية..
ومن هنا فإن القاعدة الأساسية التي ينبغي الانطلاق منها هي أن وراء كل سبب مسببًا وأن كل سلوك إنساني مهما بدا صادمًا له جذور وعوامل أسهمت في تشكله...
أول هذه العوامل يتمثل في التغيرات التي طرأت على البناء القيمي داخل بعض الأسر والمجتمعات فالتربية ليست مجرد توفير للطعام والتعليم بل هي عملية مستمرة لغرس قيم ضبط النفس واحترام الآخر وإدارة الغضب وتحمل المسؤولية..
وعندما تتراجع هذه القيم أو تضعف ممارستها العملية يصبح الفرد أكثر عرضة للتعامل مع الخلافات والانفعالات بأساليب عدوانية بدلًا من الحلول العقلانية…
العامل الثاني يتعلق بالضغوط النفسية والاقتصادية المتزايدة فالتحديات المعيشية والبطالة والديون والشعور بالعجز أو فقدان الأمل قد لا تكون مبررات للجريمة؛ لكنها في بعض الحالات تشكل بيئة خصبة لتراكم التوتر والانفعال خاصة لدى الأشخاص الذين يفتقرون إلى مهارات التكيف النفسي وإدارة الضغوط…
أما العامل الثالث فيرتبط بتراجع مهارات الحوار وحل النزاعات لقد أصبح كثير من الناس يمتلكون وسائل للتواصل أكثر من أي وقت مضى لكنهم في المقابل يفتقرون إلى القدرة على إدارة الخلافات بطريقة صحية وحين يغيب الحوار وتحضر الانفعالات تصبح المشكلات البسيطة مرشحة للتحول إلى صراعات خطيرة لا سيما صراعات الخلافات الاسرية منها ..
ولا يمكن إغفال أثر المحتوى الإعلامي والرقمي في تشكيل الوعي الجمعي فالتعرض المستمر لمشاهد العنف أو تداول الأخبار الدموية بطريقة تفتقر إلى المسؤولية المهنية قد يؤدي إلى تطبيع العنف نفسيًا ويجعل بعض الأفراد أكثر تقبلًا له أو أقل حساسية تجاه نتائجه وهنا تبرز مسؤولية الإعلام في التوازن بين نقل الحقيقة وعدم تحويل الجريمة إلى مادة استهلاكية يومية…
كما أن هناك جانبًا يتعلق بالصحة النفسية وهو جانب لا يزال يعاني من الوصمة الاجتماعية في كثير من البيئات فبعض الأشخاص يعيشون اضطرابات أو ضغوطًا نفسية حادة دون أن يطلبوا المساعدة إما لعدم توفر الخدمات المناسبة أو خوفًا من نظرة المجتمع ومع استمرار المعاناة دون تدخل قد تتفاقم المشكلات وتنعكس على السلوك بصورة خطيرة…
ومن منظور تربوي فإن السؤال الأهم ليس كيف نعاقب الجاني فقط؟ بل كيف نمنع نشوء الظروف التي قد تنتج جانيًا جديدًا؟ فالمعالجة الحقيقية تبدأ قبل وقوع الجريمة بسنوات طويلة داخل الأسرة والمدرسة ومؤسسات المجتمع المختلفة…
ولذلك فإن الحد من هذه الظاهرة يتطلب العمل على مجموعة من المسارات المتوازية من أهمها:
تعزيز التربية القائمة على القيم والمهارات الحياتية داخل الأسرة والمدرسة بحيث يتعلم الأبناء إدارة الغضب وحل المشكلات والتواصل الفعال…
توسيع برامج الدعم والإرشاد النفسي وتسهيل الوصول إليها دون وصمة أو حرج…
تفعيل دور الإعلام المسؤول في نشر ثقافة الحوار والتماسك المجتمعي والابتعاد عن الإثارة التي تحول الجريمة إلى مشهد اعتيادي..
تشديد تطبيق القانون وتسريع الإجراءات الرادعة بما يعزز الشعور العام بالعدالة ويمنع الاستهانة بالعواقب..
إطلاق مبادرات مجتمعية تستهدف فئة الشباب وتعزز الانتماء والمشاركة الإيجابية وتمنحهم مساحات آمنة للتعبير عن ضغوطهم وتحدياتهم..
بناء شراكة حقيقية بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية لأن حماية المجتمع مسؤولية جماعية وليست مسؤولية جهة واحدة…
إن المجتمعات لا تُقاس فقط بعدد مدارسها أو طرقها أو مؤسساتها بل بقدرتها على حماية الإنسان فيها وعندما تتكرر الجرائم فإن المطلوب ليس الاكتفاء بإدانة الفعل بعد وقوعه بل البحث بشجاعة عن أسبابه وجذوره
فالجريمة ليست خبرًا عابرًا ينبغي أن نعتاد عليه بل جرس إنذار يدعونا جميعًا إلى مراجعة منظوماتنا التربوية والاجتماعية والقيمية لأن الوقاية من الجريمة تبدأ من بناء الإنسان قبل بناء أي شيء آخر..