تنشط في سوق الحوت بباب الجبلي وسط صفاقس التونسية، تجارة السمك أو الحوت المملح، كما يُطلق عليه باللهجة المحلية، والذي يعدّ من أهم ركائز عيد الفطر في ثاني أكبر مدن البلاد، إذ يعتبر السمك المملح، أول ما يتناوله أهالي صفاقس صبيحة العيد، مع طبق «الشرمولة»، المكوّن من خليط البصل والزبيب. وأكّد أحد التجار لـ «البيان»، أنه يتم إعداد السمك المملح قبل أسابيع، وحتى أشهر، إذ يتم في العادة اختيار أفضل الأنواع، مثل القاروص والبوري، وفق إمكانات المستهلكين، فلا يكتمل عيد الفطر في صفاقس، دون الشرمولة والحوت المالح، الذين يرى فيهما السكان المحليون أفضل طبق يساعد على استعادة نشاط الجهاز الهضمي، ووتيرة عمله النهاري بعد شهر الصيام، مشيراً إلى أنّه، وعلى الرغم من ارتفاع أسعار «الحوت المملح»، إلا أنّه لا غنى عنه لأهالي صفاقس، الذين يعتبرونه ركناً أساسياً للاحتفال بعيد الفطر، فيما تشهد الحركة التجارية نشاطاً استثنائياً، سواء داخل سوق السمك أو خارجه.
وتقول فاطمة المنيف، وهي ربة بيت، إنّه يتم تنظيف الحوت وتشريحه بالسكين، لتضاف إليه كميات كبيرة من الملح، ثم يتم لفّه بقطعة قماش نظيفة، وتركه ليلة كاملة لاستقطار الماء من بطن الحوت، فيما يزال في اليوم التالي الملح، ويعوّض بكميات جديدة منه، وفي يوم العيد، يتم غسل الحوت جيداً من الملح، وتجهيزه للأكل.
وتقول الروايات المحلية، إنّ الأسماك كثرت في عام من الأعوام، فعاد الصيادون في آخر أيام شهر رمضان وشباكهم بأسماك لم يقبل الناس على شرائها، نظراً لأن العادة في عيد الفطر، كانت في أكل اللحم لا السمك، ما اضطر بعضهم لإلقاء الأسماك في البحر، فيما فكّر البعض الآخر في تخزين الأسماك بتجفيفها ثم تمليحها، ليشتد بهم العطش بعد أكله لشدة ملوحته، فاقترحوا أن تضاف طبخة حلوة، عساها تخفف من أثر الملح في الجسم، وتزيل العطش، فطبخوا «الشرمولة» من الزبيب، وهو من إنتاج غابة صفاقس، والبصل، ومنذ ذلك الحين، أصبحت عادة الصفاقسيين في عيد الفطر. ويشير مؤرخون، إلى أنّ هذا الطبق قديم، وكان معروفاً لدى الفراعنة والرومان والفينيقيين وغيرهم، فيما ينتشر حالياً بين شعوب أخرى. ويعتبر السمك المملح، معروفاً في الكثير من الدول العربية.