على ضوء
أبيلا.. الشعر والأدب والفن يرسمون وجه الوطن
نيروز-
محمد محسن عبيدات
على وقع
أنغام الشبابة، وهمس الحجر العتيق في موقع قويلبة الأثري، كانت سماء بني كنانة تتوشح
مساء السبت بعبق الماضي، حين التأم شمل المثقفين والفنانين في أمسيةٍ ثقافيةٍ حملت
عنوان "تعاليل قمر أبيلا"، نظمتها جمعية الكنانة للثقافة والفنون، لتشكل
واحدةً من السلسلة التراثية التي تسعى لإحياء الذاكرة الأردنية وتوثيق ملامح الهوية
في وجه العولمة والنسيان.
تحت رعاية
الأديب رائد عبدالرحمن حجازي، وبحضور رئيس بلدية الكفارات محمد هايل الزعبي، والعميد
المتقاعد نائل الحموري، وجمع من رؤساء الجمعيات الثقافية والنخب الفكرية من لواء بني
كنانة، مضت الأمسية بإدارة الكاتب والإعلامي محمد محسن عبيدات الذي أضفى على مجريات
الحفل روحاً أدبيةً عابقة بالمحبة والانتماء، متنقلاً بين فقرات الأمسية بسلاسة السرد
وجمال الحكاية.
افتتح
الفنان عدنان عمارنة، رئيس جمعية الكنانة للثقافة والفنون، بكلمةٍ أكد فيها أن الثقافة
ليست ترفاً، بل هي العمود الفقري لهوية الأمة، مشيراً إلى أن "تعاليل قمر أبيلا"
جاءت لتعيد الروح للمكان وتغرس في وجدان الأجيال حب التراث الذي يُعرّفنا بأنفسنا.
وقال: "في هذه الربوع التي احتضنت حضاراتٍ سالفة، نعيد اليوم إشعال قناديل الذاكرة،
فالثقافة هي الجسر بين الماضي والحاضر، وهي المفتاح الذي نصون به هويتنا الوطنية."
ومن جانبه،
تحدث رئيس بلدية الكفارات محمد هايل الزعبي عن دور البلدية في دعم المبادرات الثقافية
وحماية الإرث الأثري، مؤكداً أن بلدية الكفارات تولي موقع قويلبة اهتماماً خاصاً بوصفه
"شهادةً حية على عظمة التاريخ الأردني". وأضاف: "أبيلا ليست مجرد أطلال،
بل روحٌ نابضة تروي قصة الإنسان الأردني منذ آلاف السنين. واجبنا أن نصونها، ونفتح
نوافذها للعالم لتبقى شاهداً على الجمال والخلود."
وفي كلمته،
عبّر الأديب رائد عبدالرحمن حجازي عن اعتزازه برعاية هذه الفعالية التي تمزج الأدب
بالتاريخ والفن، مؤكداً أن التراث هو المرآة التي تعكس أصالة الشعوب. وقال: "نحن
لا نحتفل بالحجر ولا بالماضي فحسب، بل نحتفل بالإنسان الأردني الذي صنع الحضارة بعرقه
ووجدانه، وبالكلمة التي ما زالت تحفظ ماء الذاكرة من الجفاف."
كما قدّم
حجازي لمحة عن كتابه الجديد "شذرات من التراث"، متحدثاً عن القصص والمواقف
الشعبية التي جمعها من ذاكرة الوطن، وكيف تسهم في حفظ الموروث الشفوي وتقديمه للأجيال
القادمة بلغةٍ معاصرةٍ وأصيلة في آنٍ واحد.
أما الدكتور
أحمد النوتي، فقد أخذ الحضور في رحلة عبر الزمن وهو يتحدث عن مدينة أبيلا الأثرية،
مشيراً إلى مكانتها التاريخية ودورها الثقافي عبر العصور. كما ألقى قصائد شعرية حملت
نكهة الأرض وعبق الزيتون، رسمت صورة الوطن على صفحات الليل.
أطلّ الشاعر
الأستاذ علي سعد عبيدات بقصائد وطنية وعاطفية تمزج بين سحر الكلمة ودفء الانتماء، فيما
حلق الشاعر الدكتور إبراهيم الطيار في فضاء القصيدة بروحٍ فلسفيةٍ عميقة، جعلت من اللغة
جسراً نحو الجمال والتأمل.
تألّق
الفنان حامد الخطيب على آلته "الشبّابة"، لينثر أنغام البداوة على أنسام
المساء، تلتها فقرة من الأمثال الشعبية قدّمها الباحث أحمد إبراهيم الزعبي، استعاد
فيها حكمة الأجداد التي لا تزال تسكن الذاكرة الجمعية، مؤمناً بأن "المثل الشعبي
هو صوت الناس حين كان الكلام فعلاً والقول تجربة."
وفي فقرة مميزة، قدّم الفنان عدنان عمارنة شعراً شعبياً يفيض بالعاطفة والانتماء، تلاه الكاتب والإعلامي محمد محسن عبيدات بمقتطفات من كتابه "نافذة ثقافية"، الذي يجمع بين الرؤية الصحفية والتوثيق الأدبي، حيث قال في إحدى قراءاته: "حين تكتب عن الوطن، تشعر أنك تكتب عن نفسك، عن رائحة القهوة في بيوت الصباح، عن وجوه الآباء الذين حرسوا الحلم بالعزيمة لا بالكلام."
واختتمت
الأمسية بوصلةٍ فنيةٍ قدمتها فرقة جمعية الكنانة للثقافة والفنون بمشاركة الفنانين
عدنان عمارنة، يوسف عبيدات، ناجح عمارنة، عزام عبيدات، فكانت ألحانهم تروي قصة الأرض
والإنسان، بين الفرح والحب والانتماء.
"تعاليل
قمر أبيلا" لم تكن مجرد أمسية، بل كانت حواراً بين القمر والتاريخ، بين التراث
والحداثة. فعلى حجارة قويلبة، حيث تعانق الضوء بالحرف، عاد صوت الوطن أكثر دفئاً وأصدق
نبضاً، مؤكداً أن الثقافة الأردنية ما تزال قادرة على أن تجمع القلوب حول الجمال، وتزرع
فينا الأمل بأن للأرض ذاكرة لا تموت.