في ليلةٍ تفرّد بها الزمان، وسكنت فيها الأصوات إلا من همس القدر، تجلّت آيات الله الكبرى، وارتفعت الروح البشرية إلى مقامٍ لم تبلغه من قبل. كانت ليلة الإسراء والمعراج، الليلة التي شُقَّ فيها حجاب المألوف، وسار فيها النبي محمد صلى الله عليه وسلم من أرض مكة إلى آفاق السماء، في رحلةٍ ليست ككل الرحلات، بل كانت انتقالًا من عالم الحس إلى عالم الغيب، ومن ضيق الأرض إلى سعة الملكوت.
أُسري بالنبي صلي الله عليه وسلم ليلًا، والليل ستر الأسرار ومهد المعجزات، من المسجد الحرام حيث ابتدأت الرسالة، إلى المسجد الأقصى حيث تلتقي الأرواح الطاهرة للأنبياء، فوقف محمد صلى الله عليه وسلم إمامًا، لا بجسده وحده، بل برسالته التي جمعت شتات النبوّات، وأعلنت وحدة الطريق إلى الله. هناك، في القدس المباركة، تلاقت السماء بالأرض، وتعانق الماضي بالحاضر، في مشهدٍ يفيض قداسةً ومعنى.
ثم كان المعراج… ارتقاء الروح في مدارج النور، وصعود الجسد بإذن الله فوق قوانين الزمان والمكان. سماءٌ بعد سماء، ولقاءٌ بعد لقاء، حتى بلغ النبي صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى، حيث تقف الكلمات عاجزة، وتنحني العقول هيبةً، وحيث لا يُسمع إلا تسبيح الوجود لخالقه. هناك، فُرضت الصلاة، لتكون صلةً يومية بين العبد وربه، ومعراجًا روحيًا يرفعه من ثقل الدنيا إلى صفاء القرب.
لم تكن ليلة الإسراء والمعراج معجزةً للتصديق فحسب، بل كانت رسالةً للقلوب المتعبة: أن بعد العسر يُسرًا، وأن في الصبر أبوابًا تُفتح على مصاريعها، وأن الله إذا أراد لجراح الروح شفاءً، حملها على أجنحة الرحمة إلى حيث الطمأنينة والسلام.
وهكذا تبقى ليلة الإسراء والمعراج نبراسًا مضيئًا في دروب المؤمنين، تذكّرهم بأن الأرض، مهما ضاقت، لا تحبس من تعلّق قلبه بالسماء، وأن الطريق إلى الله يبدأ بخطوة إيمان، وينتهي بقربٍ لا يُقاس بمسافة