في مجتمعنا، هناك أعراف لا تحتاج إلى شرح طويل، لأنها ببساطة جزء من التربية والذاكرة الجمعية. من هذه الأعراف التفريق الواضح بين ضيف يأتي بدعوة مسبقة، وبين شخص يزور دون تنسيق أو دعوة. هذا التفريق ليس شكليا، بل له دلالات أخلاقية واجتماعية يعرفها الجميع.
الدعوة تعني قبولا، وتعني موقفا. عندما تدعو شخصا إلى بيتك، وتعد له وليمة، فأنت تقول له شيئا حتى لو لم تنطق به. لذلك فإن الحديث عن دعوة السفير الأمريكي وإقامة مأدبة له لا يمكن فصله عن الموقف الأمريكي من قضايا الأمة، وفي مقدمتها فلسطين.
الناس لا ترى في الأمر مجرد زيارة دبلوماسية، بل رسالة سياسية مغطاة بثوب اجتماعي، وهذا ما يثير الاستياء. ليس لأننا نجهل أصول الضيافة، بل لأن الضيافة هنا تصبح تناقضا مع مشاعر عامة وموقف واضح.
لكن الأمر يختلف تماما حين يأتي شخص دون دعوة، كأن يحضر إلى بيت عزاء. في هذه الحالة لا يكون صاحب الدار قد وجّه دعوة، ولا أعلن ترحيبا، ولا قدّم موقفا سياسيا. نحن أمام تقليد اجتماعي راسخ يقول إن العزاء له حرمة، ومن يدخل إليه يُستقبل بوقار واحترام، مهما كان اسمه أو صفته. طرد شخص من بيت عزاء لا يشبهنا، ولا يعبر عن أخلاقنا، ولا يخدم أي قضية، بل يسيء لنا قبل غيرنا.
القضية ليست تراجعا عن الموقف، ولا خلطا بين السياسة والمجتمع، بل على العكس تماما. هي فهم دقيق لمتى يكون الموقف، ومتى يكون السلوك. نستطيع أن نرفض السياسات الأمريكية بوضوح، وأن نعبر عن غضبنا، وأن نُغلق أبواب الدعوات والمجاملات، لكن دون أن نكسر أعرافنا أو نفقد توازننا في مواقف إنسانية لها قدسيتها.
باختصار، لا نريد مجاملات سياسية مغلفة بالضيافة، ولا نريد انفعالات تسيء لقيمنا. نريد موقفا واضحا وسلوكا متزنا، كما تعودنا وكما تعلمنا. هذا ليس ضعفا، بل وعي واحترام للذات قبل أي شيء آخر.