لا ينطلق الموقف الأردني الداعم لوحدة سوريا من منطلقات عاطفية أو شعاراتية، بل يستند إلى حسابات واضحة تتعلق بالأمن الوطني، والاستقرار الإقليمي، والمصالح الاقتصادية، والروابط الإنسانية العميقة بين الشعبين.
الأردن، بحكم الجغرافيا والتاريخ، هو من أكثر الدول تأثرا بما يجري في سوريا. فحدوده الشمالية الممتدة مع الأراضي السورية جعلته في تماس مباشر مع تداعيات الأزمة طوال السنوات الماضية، سواء من حيث التحديات الأمنية أو الأعباء الاقتصادية والإنسانية. ومن هنا، فإن وحدة الدولة السورية تمثل مصلحة أردنية مباشرة لا تحتمل التأويل.
أمنيا، لا يمكن تجاهل أن تفكك الدولة السورية أوجد فراغات استغلتها شبكات الجريمة المنظمة، وعلى رأسها عصابات تهريب المخدرات، التي باتت تشكل تهديدا حقيقيا للأمن الوطني الأردني، وفق ما أكدته تصريحات رسمية متكررة. إن وجود دولة سورية موحدة، بمؤسسات أمنية فاعلة وقادرة على ضبط أراضيها، هو الشرط الأساسي لمعالجة هذا الخطر من جذوره، بدل الاكتفاء بإدارته على الحدود.
اقتصاديا، تمثل سوريا عمقا استراتيجيا للأردن وبوابة طبيعية لأسواق إقليمية أوسع. إعادة توحيد سوريا واستقرارها يفتحان المجال أمام انتعاش التبادل التجاري، واستعادة دور طرق الترانزيت، وخلق فرص حقيقية للتكامل الاقتصادي، خاصة في مرحلة إعادة الإعمار، التي يمكن أن تشكل فرصة مهمة للخبرات والشركات الأردنية.
إنسانيا، يستضيف الأردن أكثر من مليون سوري بين لاجئ ومقيم، كثيرون منهم عاشوا في الأردن بكرامة، وأسهموا في مجتمعه واقتصاده، وبقي الأردن حاضرا في وجدانهم كبلد ثان. ولا يمكن الحديث بجدية عن عودة آمنة وطوعية لهؤلاء دون وجود دولة سورية موحدة، مستقرة، وقادرة على توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة والخدمات.
أما على المستوى الإقليمي، فإن الأردن ينظر بعين القلق إلى مشاريع تفتيت الدول في المنطقة، لما تحمله من مخاطر طويلة الأمد على الأمن القومي العربي. قيام سوريا قوية وموحدة يعزز التوازن الإقليمي، ويحد من تمدد الفوضى، ويضعف منطق الكيانات الهشة التي تدار من خارج حدودها.
وفي جانب التعاون المستقبلي، تفتح وحدة سوريا الباب أمام شراكات حقيقية في مجالات المياه، والغذاء، والطاقة، وهي ملفات حيوية لكلا البلدين. فبينما تمتلك سوريا موارد طبيعية مهمة، يملك الأردن خبرات متقدمة في التشريعات، وبناء المؤسسات، والتقنية، والاتصالات، ما يجعل التكامل خيارا واقعيا لا مجرد أمنية سياسية.
خلاصة القول، إن دعم الأردن لوحدة سوريا ليس اصطفافاً سياسيًا ولا تدخلا في شؤون داخلية، بل تعبير عن فهم عميق لمعادلة الاستقرار في المنطقة:
سوريا موحدة تعني حدودا اكثر امنا للأردن، اقتصادا اكثر توازنا، عبئا انسانيا اقل، وإقليما أكثر استقرارا.