اندلع حريق القاهرة 1952 كواحد من أخطر الأحداث التي عرفتها مصر في القرن العشرين، بعدما تحولت شوارع العاصمة في 26 يناير 1952 إلى مسرح واسع للفوضى والحرائق، في مشهد أربك الدولة وأثار صدمة إقليمية تجاوزت حدود القاهرة. الحدث جاء في توقيت سياسي بالغ الحساسية، وسط تصاعد الغضب الشعبي ضد الوجود البريطاني وتدهور الأوضاع الداخلية، ما جعل الحريق نقطة فاصلة في تاريخ البلاد الحديث.
شرارة الإسماعيلية تشعل القاهرة
سبق حريق القاهرة 1952 بساعات قليلة اشتباك دموي في مدينة الإسماعيلية بين قوات الاحتلال البريطاني والشرطة المصرية، أسفر عن سقوط عشرات القتلى من الجنود المصريين. ومع وصول أنباء المجزرة إلى القاهرة، عمّت حالة من الغضب الشعبي العارم، وخرجت تظاهرات غاضبة سرعان ما فقدت السيطرة، لتتحول إلى موجة عنف غير مسبوقة في قلب العاصمة.
نيران منظمة وأسئلة بلا إجابات
لم يكن حريق القاهرة 1952 مجرد أعمال شغب عشوائية، إذ التهمت النيران أكثر من 700 منشأة خلال ساعات قليلة، من بينها دور سينما، فنادق تاريخية مثل فندق شبرد، متاجر كبرى، بنوك، ومقار شركات أجنبية. اللافت أن الحرائق اندلعت في مناطق متفرقة وبصورة متزامنة، ما أثار شكوكًا واسعة حول وجود تخطيط منظم يقف خلف ما جرى، وليس مجرد انفجار شعبي تلقائي.
انقسام الشارع المصري
أحدث حريق القاهرة 1952 انقسامًا حادًا داخل المجتمع المصري. فبينما رأى فريق أن ما حدث كان تعبيرًا عن غضب مشروع ضد الاستعمار البريطاني ورموزه الاقتصادية، اعتبر آخرون أن الحريق كان مؤامرة سياسية شاركت فيها قوى داخلية بهدف إسقاط النظام الملكي وإغراق البلاد في الفوضى تمهيدًا لتغيير شامل في السلطة.
صدى عربي وتحليلات إقليمية
تجاوزت تداعيات حريق القاهرة 1952 حدود مصر، حيث خصصت الصحف العربية في سوريا ولبنان والعراق مساحات واسعة لتحليل الحدث. وربطت العديد من التحليلات بين الحريق وبين التحولات الكبرى التي شهدتها مصر لاحقًا، معتبرة أن ما جرى كان إنذارًا مبكرًا بانهيار النظام الملكي، وهو ما تحقق بالفعل بعد أشهر قليلة مع قيام ثورة 23 يوليو 1952.
غموض التحقيقات وغياب المحاسبة
رغم مرور عقود طويلة، لا يزال حريق القاهرة 1952 محاطًا بالغموض. التحقيقات الرسمية لم تقدم رواية قاطعة، ولم تتم محاسبة جهة واضحة على ما جرى، ما فتح الباب أمام عشرات الروايات والتفسيرات السياسية والتاريخية. هذا الغموض المستمر جعل الحريق مادة دائمة للنقاش والجدل داخل مصر وخارجها.
حريق أنهى مرحلة وفتح أخرى
تحول حريق القاهرة 1952 إلى رمز لانهيار مرحلة كاملة من تاريخ مصر وبداية عهد جديد. ولم يعد مجرد حدث أمني عابر، بل علامة فارقة تُستدعى عربيًا عند الحديث عن انفجار الغضب الشعبي وتداعياته السياسية العميقة. ومع كل ذكرى سنوية، يعود السؤال نفسه بلا إجابة حاسمة حول من أشعل النار الأولى، ولماذا تُركت القاهرة تحترق.