في هذه الأرض التي لا تُشبه سواها، حيث تختلط رائحة التراب بدعاء العابرين منذ آلاف السنين، لم يكن مسيحيو المشرق ضيوفًا عابرين، ولا صفحة في هامش التاريخ، بل كانوا من أوائل من حرثوا التربة، وبنوا البيوت، وحملوا الحرف، وصانوا الذاكرة. كانوا هنا قبل أن تُرسم الحدود، وقبل أن تُكتب الأسماء، وقبل أن تُقسّم الخرائط. وهنا تجذّرت هويتهم كما تتجذّر شجرة الزيتون في الصخر، لا تقتلعها العواصف ولا تغيّرها الفصول.
في الأردن، لا يُقاس وجود المسيحيين بعددهم، بل بعمق أثرهم. هم أبناء هذا التراب كما هو غيرهم، يشربون من مائه، ويفتخرون بسمائه، ويقفون بخشوع أمام جباله وسهوله ومدنه العتيقة. لم يكن انتماؤهم يومًا شعارًا يُرفع، بل حياة تُعاش، ومسؤولية تُؤدّى، وإيمانًا بأن الوطن ليس مكانًا نعيش فيه، بل روحًا تسكن فينا.
تجذّرت هويتهم لأنهم لم يروا في الأرض ملكًا مؤقتًا، بل عهدًا مقدّسًا. من سهول مادبا إلى جبال السلط، ومن قرى الكرك إلى أزقة عمّان القديمة، تركوا بصمتهم في الحجارة، وفي المدارس، وفي المستشفيات، وفي الحقول، وفي ذاكرة الناس. كانوا معلمين حين احتاج الوطن إلى علم، وأطباء حين احتاج إلى رحمة، وجنودًا حين احتاج إلى حماية، ومزارعين حين احتاج إلى صبر، وفنانين حين احتاج إلى جمال.
حبهم للأردن لم يكن منفصلًا عن حبهم للمشرق. فهم أبناء حضارة عريقة، حملت رسالة المحبة منذ القرون الأولى، وعلّمتهم أن الإنسان قبل الدين، وأن الكرامة قبل كل انتماء. لهذا لم يعيشوا في عزلة، ولم ينغلقوا على ذواتهم، بل كانوا جزءًا حيًا من نسيج المجتمع، يتقاسمون الفرح والحزن، يبنون مع غيرهم، ويحلمون مع غيرهم، ويدافعون عن الوطن كما يُدافع المرء عن بيته وذكرياته.
في وجدانهم، الأردن ليس محطة، بل قدر جميل. هو الحكاية التي تبدأ مع الطفولة في المدارس، وتكبر مع المسؤولية في العمل، وتشيخ مع الذكريات في البيوت القديمة. هو الوطن الذي لا يُختصر في خطاب، ولا يُختزل في صورة، بل يُعاش في كل صباح، وفي كل صلاة، وفي كل عمل صادق.
مسيحيو الأردن لم يكونوا يومًا على هامش الوطن، بل في قلبه. لم يطلبوا امتيازًا، ولم ينتظروا اعترافًا، لأن جذورهم أعمق من كل سؤال، ولأن محبتهم للأرض أصدق من كل خطاب. هم شهود على أن الوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالأيدي المتعبة، والقلوب المؤمنة، والوجوه التي تعرف معنى الانتماء.
هنا، في هذا الشرق الذي علّم العالم معنى الروح، يقف مسيحيو الأردن بثبات، لا كأقلية تبحث عن مكان، بل كمواطنين يعرفون أن الأرض التي احتضنت آباءهم ستحتضن أبناءهم. يحملون الأردن في قلوبهم كما يحملهم في اسمه وتاريخه ومستقبله، ويثبتون كل يوم أن التجذّر في الوطن ليس مسألة دين أو عدد، بل مسألة حب لا ينتهي.