جاء حديث سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، في محافظة الطفيلة عن السردية الأردنية ليشكّل نقطة تحوّل في الوعي الوطني، ورسالة واضحة بأن الأردن لا يملك تاريخًا يُحكى فقط، بل هوية يجب أن تُروى وتُصان وتُنقل للأجيال القادمة بوصفها واجبًا وطنيًا وموروثًا تاريخيًا لا يقبل التهميش أو النسيان.
فالسردية الأردنية ليست مجرد حكايات شعبية أو قصص من الماضي، بل هي التاريخ الأردني بكل تفاصيله؛ من تراب هذه الأرض، ومن نضال أبنائها، ومن القيم التي شكّلت الشخصية الأردنية القائمة على الكرم، والشهامة، والانتماء، والتسامح، والحضارة المتجذّرة عبر العصور. إنها حكاية وطن جميل بإنسانه قبل جغرافيته، وبقيمه قبل موارده.
لقد آن الأوان لأن نُدرك أن في الأردن كنزًا سرديًا هائلًا لم يُوثَّق كما يجب؛ حكايات الجدود، قصص القرى والبوادي، الروايات الشفوية، والمواقف التي صنعت تاريخ الدولة الأردنية الحديثة وما قبلها. هذا الإرث إن لم يُجمع ويُوثّق اليوم، فإنه مهدد بالضياع مع تغيّر الأجيال وتسارع الزمن.
ومن هنا، فإن دعوة ولي العهد لإحياء السردية الأردنية لم تكن دعوة ثقافية فحسب، بل مشروع دولة يتطلب تضافر الجهود الرسمية والإعلامية والأكاديمية. وهو ما تُرجم عمليًا من خلال وزارة الثقافة التي أعلنت مؤخرًا، عبر حديث رسمي لمعالي وزير الثقافة، عن بدء تطبيق السردية الأردنية على أرض الواقع، عبر استقطاب مختصين وأصحاب اختصاص من الأكاديميين والدكاترة والباحثين في التاريخ والموروث الوطني، لضمان تقديم رواية أردنية موثوقة قائمة على البحث العلمي والتوثيق الدقيق.
إن إحياء السردية الأردنية لا يقتصر على الكتب أو الندوات، بل يجب أن ينتقل إلى الفضاء الإعلامي الحديث؛ من خلال برامج وثائقية، وحلقات بودكاست، وبرامج إذاعية وتلفزيونية، ومقابلات، وتقارير، وحلقات "ريلز” موجهة للشباب بلغة معاصرة، تُقدَّم فيها الحكاية الأردنية بصوت أهلها وأصحابها، وبمشاركة كبار السن الذين يحملون في ذاكرتهم تاريخًا حيًا لم يُكتب بعد.
فلماذا لا نفتح المنصات الإعلامية أمام الجدود وكبار السن ليسردوا حكاياتهم؟ ولماذا لا نجمع بين الخبرة الأكاديمية والذاكرة الشعبية في إنتاج محتوى وطني جامع يعكس الأردن الحقيقي، بعيدًا عن التشويه أو التبسيط أو الاجتزاء؟
إن السردية الأردنية اليوم ليست ترفًا ثقافيًا، بل حاجة وطنية ملحّة لتعزيز الانتماء، وترسيخ الهوية الوطنية، وبناء وعي الأجيال بتاريخ وطنهم.