في تاريخ الأمم رجالٌ لا تقاس أعمارهم بالسنين، بل بالمواقف المفصلية التي صاغتها عقولهم قبل أيديهم. ومن بين هؤلاء العمالقة، يبرز اسم الدكتور حسين فخري الخالدي ( 1895-1966 م ) ؛ ذاك المقدسي الذي لم يكن طبيباً للأجساد فحسب، بل كان جراحاً سياسياً بارعاً، حمل هموم القضية الفلسطينية في قلبه، وساهم في بناء أركان الدولة الأردنية في أكثر مراحلها حرجاً وحساسية.
البدايات : من أروقة العلم إلى أتون الحرب
وُلد الخالدي في كنف القدس الشريف عام 1895 م، لأسرة عريقة عُرفت بعلمها وأثرها الاجتماعي. تلقى تعليمه في الجامعة الأمريكية ببيروت، وفي عام 1915 م تخرج طبيباً في وقت كانت فيه المنطقة تغلي على صفيح ساخن. لم يكد يستريح من عناء الدراسة حتى وجد نفسه في خضم الحرب العالمية الأولى، ملتحقاً بالجيش العثماني كطبيب عسكري، وهي التجربة التي صقلت انضباطه، قبل أن تنحاز فطرته العربية لطلائع الثورة العربية الكبرى، مؤمناً بحلم النهضة والحرية.
القدس : رئاسة البلدية ومخاض النضال :
بعد الحرب، عاد الخالدي ليمارس الطب في القدس، لكن نداء الوطن كان أقوى. في عام 1934 م، اختاره المقدسيون رئيساً لبلديتهم، ليخلف راغب النشاشيبي. وفي هذا المنصب، لم يكتفِ بالدور الإداري، بل حوّل البلدية إلى معقل للعمل الوطني. أسس " حزب الإصلاح " عام 1935 م، ليكون صوتاً منظماً يواجه التمدد الصهيوني ومخططات الانتداب البريطاني. هذا الدور الصلب جعل منه هدفاً مباشراً للمستعمر، فكان قرار نفيه إلى جزيرة سيشل عام 1937م برفقة ثلة من القادة الوطنيين، في محاولة لنفيه عن قلوب الناس وعن ساحة الفعل، لكنه عاد أكثر إصراراً ليشارك في مؤتمر لندن ( الطاولة المستديرة ) عام 1939 م، مدافعاً شرساً عن حقوق شعبه.
المرحلة الأردنية : " رجل الدولة " في زمن الأزمات :
عقب وحدة الضفتين عام 1950م، انتقل الخالدي إلى عمان، حاملاً معه إرثاً نضالياً وحكمة سياسية نادرة. شغل مناصب وزارية سيادية في عدة حكومات، فتولى حقائب الخارجية والعدل والصحة، وكان صوته تحت قبة مجلس الأعيان يتسم بالعقلانية والمنطق الرصين. كان الخالدي يمثل الجسر الرابط بين تطلعات الشارع وحكمة القيادة، مما جعله موضع ثقة الجميع.
حكومة التسعة أيام : التحدي والموقف :
تبقى محطة " رئاسة الوزراء " في نيسان عام 1957 م هي الأكثر إثارة في سيرته. كُلف الخالدي بتشكيل الحكومة في وقت كانت فيه البلاد تعيش استقطاباً حاداً واضطرابات سياسية واسعة. بذكائه المعهود، شكّل " حكومة ائتلاف وطني " ضمت أقطاباً متنافرة سياسياً، من بينهم سليمان النابلسي ( وزير الخارجية آنذاك )، في محاولة يائسة ولكنها نبيلة لدرء الفتنة واحتواء الأزمة. ورغم أن الحكومة لم تستمر سوى تسعة أيام، إلا أنها سُجلت في التاريخ كأقصر الحكومات عمراً وأكثرها تعبيراً عن محاولة التوفيق بين الصالح العام والضغط الحزبي، قبل أن يترجل الخالدي مستقيلاً في 24 نيسان 1957 م، مفسراً موقفه بضرورة الحفاظ على استقرار المملكة.
" ومضى عهد المجاملات " : شهادة بليغة للتاريخ :
بعيداً عن المناصب، كان الخالدي أديباً بليغاً ومؤرخاً من طراز رفيع. ترك للأجيال مذكراته العميقة " ومضى عهد المجاملات "، والتي تُعد من أصدق الوثائق السياسية. فيها، لم يجامل أحداً، بل شرّح الواقع العربي بمبضع الطبيب، منتقداً التخبط في إدارة الصراع مع المشروع الصهيوني، وكاشفاً عن خبايا المفاوضات والقرارات التي شكلت مصير المنطقة، مكتوبة بلغة أدبية رصينة تجعل القارئ يشعر بعمق المأساة وحجم المسؤولية.
الرحيل والوصية الأخيرة :
في شباط من عام 1966 م، رحل الحكيم حسين فخري الخالدي عن عالمنا، تاركاً خلفه سيرة عطرة لم تلوثها المصالح الضيقة. وتنفيذاً لوصيته التي تعكس جوهر انتمائه، نُقل جثمانه من عمان ليُوارى الثرى في ثرى القدس، المدينة التي أحبها وعاش من أجلها. رحل الخالدي، وبقيت مدرسته في " السياسة الأخلاقية " منارة لمن أراد الجمع بين خدمة الوطن ونزاهة الموقف.