في أعماق الحي المالي التاريخي في لندن، وتحديدا تحت مقر بنك إنجلترا، تمتد شبكة ضخمة من الخزائن تحت الأرض تُعد واحدة من أهم مراكز حفظ الذهب في العالم، إذ تحتضن ثاني أكبر مخزون عالمي من المعدن النفيس بعد خزائن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
ووفق تقرير حديث، تحتوي خزائن البنك على نحو 400 ألف سبيكة ذهب مخزنة داخل غرف خرسانية محصنة بعمق تحت شوارع لندن، ما يجعلها ركيزة أساسية في دعم الاستقرار المالي العالمي.
ملكية الذهب ليست بريطانية بالكامل
على الرغم من أن الخزائن تقع في بريطانيا، فإن معظم الذهب المخزن فيها لا يعود ملكيته إلى المملكة المتحدة، إذ يدير بنك إنجلترا حوالي 6% فقط من احتياطيات الذهب البريطانية، أي ما يقارب 300 طن، نيابة عن الخزانة البريطانية.
أما بقية الذهب فيعود إلى 60 بنكا مركزيا إضافة إلى عدد محدود من الشركات التجارية حول العالم، والتي تفضل الاحتفاظ باحتياطياتها في لندن نظرا لمكانتها كـ المركز العالمي لتجارة الذهب المادي.
ويؤدي بنك إنجلترا دور أمين الحفظ الرئيسي للبنوك المركزية والمنظمات الدولية والشركات، والمفارقة أن البنك نفسه لا يمتلك سوى سبيكتين من الذهب فقط، وهما معروضتان للزوار داخل متحف البنك.
ملاذ آمن لتداول الذهب العالمي
يسمح تخزين الذهب في لندن بنقل ملكيته بسرعة وسهولة دون الحاجة إلى نقل السبائك فعليا عبر الحدود، ويعد هذا النظام عنصرا مهما في الحفاظ على سيولة سوق الذهب في لندن، إذ تستطيع الدول بيع أو نقل ملكية احتياطياتها بكفاءة دون تحمل تكاليف أو مخاطر نقل كميات ضخمة من المعدن الثمين.
تصميم هندسي يتحمل آلاف الأطنان
تعود أصول هذه الخزائن إلى ثلاثينات القرن العشرين، حيث تم بناؤها بعمق داخل طبقات الطين اللندني، وتمتد على مساحة تقارب عدة ملاعب كرة قدم.
وقد صُمم الهيكل الهندسي بعناية لتحمل الضغط الهائل الناتج عن وزن مئات الآلاف من سبائك الذهب، وتُرص السبائك فوق منصات قوية مع فرض قيود صارمة على ارتفاع التكديس لتجنب أي تأثير على استقرار المبنى.
نظام أمني معقد أشبه بالمتاهة
يبدأ الوصول إلى الخزنة من المقر الرئيسي للبنك في شارع ثريدنيدل، ويخضع الزوار والموظفون لسلسلة معقدة من البوابات والحواجز الفولاذية المصممة بطريقة تشبه المتاهة، بهدف منع أي شخص من حفظ المسار أو تحديد الطريق المباشر إلى غرف التخزين.
كما يمر العاملون عبر عدة نقاط تفتيش قبل الوصول إلى الأبواب المؤدية إلى الخزنة، والتي تُقفل بمفاتيح ضخمة يصل طولها إلى عدة أقدام.
داخل الخزنة، تُرص سبائك الذهب بعناية فوق منصات متينة، بينما تنقل الرافعات الشوكية هذه المنصات في مجموعات من أربع، حيث تحتوي كل منصة على نحو 80 سبيكة، أي ما يعادل طنا واحدا تقريبا من الذهب.
مزيج بين الطراز الفيكتوري والتكنولوجيا الحديثة
وعلى الرغم من المظهر الذي يذكّر بالعصر الفيكتوري، فإن الخزائن مزودة بأنظمة أمنية متطورة تشمل المراقبة الإلكترونية، وتقنيات التعرف على الصوت، وأنظمة حماية مقاومة للانفجارات.
ومع ذلك، تبدو الخزنة من الداخل بسيطة نسبيا؛ حيث تصطف السبائك في صفوف منظمة تعكس الحجم الهائل للثروة العالمية المخزنة فيها.
تدقيق صارم وشفافية كاملة
تعتمد موثوقية هذه الخزائن على نظام تدقيق دقيق وشفاف، فكل سبيكة تحمل رقما تسلسليا فريدا، وختما يحدد درجة نقائها، إضافة إلى علامة تشير إلى المصفاة التي قامت بإنتاجها.
ويتيح هذا النظام تتبع كل واحدة من نحو 400 ألف سبيكة مخزنة في الخزنة، كما يجري بنك إنجلترا عمليات تدقيق منتظمة لضمان الحفاظ على سمعته بوصفه أحد أهم حراس الثروة العالمية.
الذهب يظل رمزا للاستقرار المالي
ورغم التقدم السريع في أنظمة التمويل الرقمية، يظل الذهب المخزن في هذه الخزائن رمزا ملموسا للاستقرار المالي العالمي، فوجود احتياطيات مادية ضخمة وآمنة يوفر أساسا موثوقا لشبكات التجارة الدولية وإدارة احتياطيات الدول في النظام النقدي العالمي المعاصر.