بينما نتصفح هواتفنا في عام 2026، نجد أنفسنا نتساءل: متى تحولت فرحة العيد من "شعور يملأ الصدور" إلى "إشعار يهز الجيوب"؟
فلو عدنا بآلة الزمن إلى السبعينات، لوجدنا العيد طفلاً بريئاً يركض في الحارات، حيث كانت البهجة تُطبخ على نار هادئة في بيوت مشرعة الأبواب، والناس يتزاحمون ليس خلف الشاشات بل في الأسواق الشعبية لتبادل "عيديات" معدنية كانت تزن في قلوب الأطفال أطناناً من الذهب، وكان العيد حينها هو رائحة "خبيز الأمهات" التي توحد الشوارع في هوية واحدة، ثم قفزت بنا السنين إلى صخب الثمانينات، ذلك العقد الذي كان العيد فيه "مهرجاناً للعائلة الكبيرة" بامتياز، حيث يجتمع الجميع حول تلفاز واحد ينتظرون مسرحية العيد كأنها حدث عالمي، والزيارات الميدانية كانت طقساً مقدساً لا يُعفى منه أحد، فكانت الشوارع تضج بمجموعات من البشر يوزعون القبلات والمصافحات الحارة التي لم تكن تعرف الزيف أو التباعد الاجتماعي، ومع وصولنا إلى عتبة التسعينات، ارتدى العيد حلة أكثر حداثة وإثارة، حيث ولدت "ثقافة المتنزهات" و"بطاقات المعايدة" الملونة التي كانت تُكتب باليد وتُرسل بصدق، فكان العيد في التسعينات هو قمة "التواصل البشري" قبل أن تبتلعنا الثورة الرقمية، حيث كانت الضحكات تعلو في مدن الملاهي ودور السينما دون الحاجة لتوثيقها بكاميرا الهاتف، وصولاً إلى واقعنا اليوم في عام 2026، حيث أصبح العيد "أنيقاً جداً" من الخارج لكنه "صامت جداً" من الداخل، فاستبدلنا اللمة الحقيقية بـ "مكالمات فيديو" سريعة، والمعايدة الصادقة بـ "نسخ ولصق" لرسائل باردة، وصار همنا الأكبر هو اختيار "الفلتر" المناسب لصورة العيد بدلاً من الاستمتاع بلحظة العيد نفسها، لنجد أننا في سباقنا نحو التطور فقدنا "العدوى الإنسانية" للفرح، تلك التي كانت تجعل من أعياد الماضي ذكريات لا تموت لأنها لم تكن تُحفظ على "السحابة الإلكترونية" بل كانت تُحفر في سويداء القلوب، مما يضعنا اليوم أمام اختيار حاسم: هل نترك الخوارزميات تملي علينا متى وكيف نفرح، أم نملك الشجاعة لنغلق هواتفنا ونسترد "روح السبعينات" و"حيوية الثمانينات" و"شغف التسعينات" في عناق حقيقي وقبلة جبين صادقة تعيد للعيد هيبته المفقودة؟