لم يعد الإعلام في زمننا مجرد ناقلٍ للخبر أو مرآة تعكس الواقع كما هو، بل أصبح — إلى حدٍ بعيد — صانعاً للاهتمام ومهندساً لأولويات الوعي المجتمعي. فهو قادر على أن يرفع قضية ما إلى صدارة الرأي العام خلال ساعات، وقادر بالقدر ذاته على دفعها نحو النسيان، رغم أنها ما تزال تنزف على أرض الواقع.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن دائماً فيما يقوله الإعلام، بل فيما يختار أن يتوقف عن قوله. فالصمت الإعلامي أحياناً أشد أثراً من الضجيج؛ لأن رفع الكاميرات عن مأساة قد يوحي للناس البسطاء بأن الألم قد انتهى، بينما الحقيقة أن المعاناة مستمرة، وأن ما تغيّر ليس الواقع بل زاوية الضوء المسلط عليه.
بهذه الآلية تستبدل القضايا بهدوء؛ فقضية تتقدم إلى الواجهة وأخرى تنسحب بصمت. فينشغل الرأي العام بما يعرض أمامه، لا بما يزال يحدث فعلاً . فالإعلام لا يغيّر الأحداث بقدر ما يغيّر ترتيبها في عقول الناس، فيتحول الاهتمام العام تبعاً لمسار التغطية لا لحجم الألم الإنساني ذاته.
بالأمس، كانت غزة — غزة العزة — حاضرة في كل شاشة وكل وجدان، تتصدر نشرات الأخبار وتفرض نفسها على ضمير العالم. واليوم تراجع حضورها الإعلامي، بل كاد يختفي، لا لأن الجرح التأم أو لأن المعاناة توقفت، وإنما لأن عدسات الإعلام وجدت ملفاتٍ أخرى أكثر جذباً للمتابعة وأسرع استهلاكاً للانتباه، في صراعاتٍ قد لا تعنينا بقدر ما تعني غرف التحرير وموازين المصالح.
هنا تتجلى خطورة الإعلام، بل تسقط أخلاقيته حين يتحول الألم الإنساني إلى مادة مؤقتة، تستهلك إعلاميًا ثم تُترك للنسيان. فالقضية التي تقاس بقيمة المشاهدة لا بقيمة الإنسان تصبح رهينة المزاج الإعلامي لا الحقيقة.
الوعي الحقيقي لا يقاس بمتابعة ما يعرضه الإعلام فقط، بل بالقدرة على تذكر ما غاب عنه. فالقضايا العادلة لا تنتهي حين تغادر الشاشات، والضمير الحي لا يسمح بأن يصبح النسيان نتيجة طبيعية لدورة الأخبار.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله الإعلام ليس أن يضلل الناس، بل أن يعوّدهم على النسيان.