إهداء إلى حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، القائد الأعلى للقوات المسلحة الأردنية الباسلة.
في الحادي والعشرين من آذار من كل عام، يقف الأردنيون وقفة عزٍّ وإجلال، يستحضرون فيها واحدة من أعظم صفحات التاريخ الوطني، ذكرى معركة الكرامة الخالدة، التي شكّلت منعطفًا حاسمًا في تاريخ الأردن والأمة العربية.
وبهذه المناسبة الوطنية العزيزة، نرفع أسمى آيات التهنئة والولاء إلى مقام سيد البلاد، حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وإلى سمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، حفظهما الله ورعاهما، بمناسبة مرور الذكرى الرابعة والخمسين لمعركة الكرامة.
في فجر الحادي والعشرين من آذار عام 1968، وعند الساعة الخامسة والنصف صباحًا، بدأت ساعة الصفر؛ حيث شنّت قوات العدو الإسرائيلي هجومًا واسعًا على طول الجبهة الأردنية، مدعومة بقوة عسكرية كبيرة تمثلت في ألوية مدرعة ومشاة آلية ومظليين، وإسناد مدفعي وجوي مكثف، في محاولة لفرض واقع جديد على الأرض الأردنية.
لكن الأردن لم يكن ساحة سهلة، بل كان وطنًا تحرسه إرادة الرجال وعزيمة الأبطال.
هبّت قوات الجيش العربي الأردني، مستندة إلى إيمان راسخ وعقيدة قتالية عالية، لتتصدى لهذا العدوان الغاشم. وعلى الرغم من الفارق الكبير في ميزان القوى، الذي بلغ نحو (5:1)، إلا أن التفوق لم يكن حاسمًا، إذ رجحت كفة الإيمان والتنظيم والانضباط والتخطيط العسكري المحكم.
تقدمت قوات العدو عبر أربعة محاور رئيسية: محور العارضة، ومحور وادي شعيب، ومحور سويمة، ومحور الصافي، مستخدمة وسائل التجسير تحت غطاء جوي كثيف، بهدف احتلال مرتفعات السلط وتحويلها إلى منطقة عازلة تخدم أهدافها التوسعية.
غير أن نشامى الجيش الأردني كانوا بالمرصاد، فخاضوا معركة بطولية امتدت قرابة ست عشرة ساعة متواصلة، سجّلوا خلالها أروع صور الصمود والتضحية، وكبّدوا العدو خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، حتى اضطر إلى طلب وقف إطلاق النار.
وهنا تجلّت حكمة القيادة وشجاعتها، حين رفض القائد المغفور له الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، وقف إطلاق النار ما دام جندي إسرائيلي واحد على أرض الأردن، في موقف تاريخي جسّد معنى السيادة والكرامة الوطنية.
أمام هذه الإرادة الصلبة، لم يجد العدو خيارًا سوى الانسحاب، تاركًا خلفه دباباته وآلياته وجثث قتلاه، في مشهد غير مسبوق شكّل أول هزيمة حقيقية له بعد نكسة عام 1967، وليُكتب للأردن نصرٌ أعاد للأمة العربية شيئًا من كرامتها وهيبتها.
إن معركة الكرامة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت رسالة أمة، أكدت أن الإرادة أقوى من السلاح، وأن العقيدة القتالية قادرة على قلب الموازين. كما جسدت وحدة الدم والمصير بين الشعبين الأردني والفلسطيني، فكانت هذه اللحمة الوطنية أحد أبرز مفاتيح النصر.
واليوم، نستذكر تلك الملحمة بكل فخر، ونستحضر تضحيات شهدائنا الأبرار، ونؤكد أن الجيش العربي الأردني سيبقى درع الوطن وسياجه المنيع، يحمل راية العز والكرامة جيلاً بعد جيل.
كما نستذكر بكل اعتزاز القائد الباني الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، ونجدّد العهد والولاء لجلالة الملك عبدالله الثاني، الذي يواصل مسيرة البناء والتحديث، ويحمل أمانة الدفاع عن الوطن وقضاياه بكل حكمة واقتدار.
نسأل الله أن يحفظ الأردن عزيزًا آمنًا، وأن يديم عليه نعمة الأمن والاستقرار، في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة، وأن يحفظ جيشنا العربي، ويرحم شهداءنا الأبرار، لتبقى راية الوطن خفّاقة بالعز والمجد.