في ظل تسارع الأحداث الإقليمية والدولية، وضغوطات بعض الدول، ومع تزايد كلفة الحرب على الجميع، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي لمّحت كثيراً إلى هذه الكلفة وطلبت تغطيتها من دول أخرى، ومع عدم تجاوب الدول الكبرى للتدخل في مضيق هرمز بناءً على طلب ترمب... تتزايد التقديرات التي تشير إلى إمكانية توقف الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، خلال فترة زمنية قد لا تتجاوز عشرة أيام.
هذا التطور المفاجئ، الذي أُعلن عنه من طرف واحد، هو الطرف الأمريكي، يثير العديد من التساؤلات حول طبيعته وتوقيته وسرعته، وما إذا كان قد تم بالتنسيق مع إسرائيل أم دون موافقتها الكاملة.
في المقابل، أعلنت إيران في البداية أنها لم تُبلّغ رسمياً بهذه التفاهمات، وإنما وصلتها عبر قنوات غير مباشرة من خلال بعض الدول الصديقة، ما يعكس استمرار حالة الضبابية في مسار هذه الحرب. إلا أنه تم لاحقاً بيان وجود تواصل مع رئيس مجلس الشورى القومي الإيراني من خلال وسطاء من بعض الدول الصديقة، وهو ما أوضحته إيران لاحقاً. كما أن قرار التأجيل لخمسة أيام بعد إنذار الـ48 ساعة يؤكد أن هذه الآلية في اتخاذ القرارات ليست بعيدة عن أسلوب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، المعروف بمفاجآته السياسية وقراراته السريعة الغير متزنة، خصوصاً في أوقات التصعيد. ومع أننا نشهد تصعيدا غير مسبوق في الحرب حاليا حتى مع إعلان مهلة الخمس ايام ؟!
ومما لا شك فيه أن مضيق هرمز هو الآن مفتاح التصعيد والتهدئة بنفس الوقت لما له من أهمية كبرى في إمداد دول العالم بالطاقة ........
يبدو أن جوهر الصراع في هذه المرحلة يرتبط بشكل مباشر بمضيق هرمز، الذي يُعد شرياناً حيوياً للطاقة العالمية، حيث يمر عبره نحو 20% إلى 25%، أي ما يشكل ربع أو خمس إمدادات النفط والغاز في العالم. وقد شكّل التهديد الإيراني بإغلاقه نقطة تحول مفصلية في مسار الأزمة.
فبعد استهداف منشآت للطاقة داخل إيران، ردّت طهران باستهداف مصادر طاقة في المنطقة، ورفعت منسوب التهديد إلى حد إعلانها إمكانية ضرب مصادر الطاقة في دول مجاورة، وإغلاق المضيق بشكل كامل في حال استمرار الاعتداءات. هذا التصعيد وضع المجتمع الدولي أمام مخاطر اقتصادية واستراتيجية كبرى حيث أخذت بعض الدول إ علان حالة الطوارئ كالفلبين وغيرها وهناك ملا يقل عن عشرون دولة أخرى أعلنت تدخلها لفك هذه الأزمة في حال أنها استمرت.
حسابات الانسحاب وتخفيض التصعيد
في ضوء هذه المعطيات، بدا واضحاً أن الولايات المتحدة تتجه نحو تخفيض التصعيد، بعد أن لم تحقق الحرب أهدافها المعلنة خلال الأسابيع الماضية. كما أن التحذيرات الأمريكية لإيران شهدت تراجعاً تدريجياً، من مهلة 48 ساعة إلى تمديدها لعدة أيام، ما يعكس وجود اتصالات غير مباشرة ومحاولات لاحتواء الأزمة.
في المقابل، تمسّكت إيران بموقفها الرافض لأي شروط تتعلق ببرنامجها النووي أو قدراتها الصاروخية، مؤكدة أنها لن تتراجع عن ثوابتها، وأن إنهاء الحرب يجب أن يتم دون تقديم تنازلات استراتيجية.
نتائج الحرب... خسائر بلا مكاسب
تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن أياً من أطراف الصراع لم يحقق أهدافه المعلنة. فرغم تنفيذ عمليات نوعية واغتيالات طالت شخصيات قيادية بارزة، إلا أن النتائج الاستراتيجية بقيت محدودة، في ظل خسائر بشرية ومادية كبيرة لدى جميع الأطراف.
وعليه، يمكن القول إن هذه الحرب، التي قاربت على شهر من الزمن، لم تُنتج سوى مزيد من التعقيد وعدم الاستقرار، بل وربما أظهرت حدود القوة العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية.
في خضم هذه الأحداث ومن الملفت أن إيران قلبت أوراقها في ارتداؤها على عدد من الدول المجاورة وهذا لن يصل في مصلحتها حتما بعد أن كانت بعضا من هذه الدول متعاطفة معها الي حد ما وكانت بعضها مركزا رئيسيا لتنسيق هذه المفاوضات ... من بين هؤلاء يظهر الموقف الأردني صوت العقل والاتزان والاستقرار
في خضم هذا التصعيد، برز الموقف الأردني بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين كصوتٍ عقلاني ومتزن، حيث أكد الأردن، بشكل يومي ومتواصل، ضرورة وقف الحرب فوراً وعدم تصعيدها، ليس فقط لوقف نزيف الدم، بل للحفاظ على أمن واستقرار المنطقة بأسرها.
كما شدد الأردن على أن استمرار الحرب يهدد بتوسيع دائرة الصراع إقليمياً، ويُعرّض أمن الطاقة العالمي بمختلف مصادره وأنواعه ومصالح الدول للخطر، الأمر الذي يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً لاحتواء الأزمة.
خاتمة
ختاماً، قد تضع هذه الحرب أوزارها في أي لحظة، لكن تداعياتها ستبقى حاضرة لفترة طويلة؛ فالحروب لا تُقاس فقط ببداياتها ونهاياتها، بل بما تتركه من آثار سياسية واقتصادية وأمنية.
وفي هذا السياق، سيواصل الأردن أداء دوره المحوري سياسياً ودبلوماسياً وإنسانياً، ساعياً إلى تهدئة الأوضاع والدفع نحو حلول سلمية تحفظ استقرار المنطقة، وتمنع انزلاقها نحو مزيد من الصراعات التي لا رابح فيها.
فقد طالب جلالة الملك دوماً بوقف هذه الحرب، والاحتكام إلى الحوار لإعادة الاستقرار والأمن على مستوى الإقليم. ومن جهة أخرى، طالب بالوقف الفوري للاعتداءات الإيرانية على دول الجوار، بما فيها الأردن، مؤكداً خطورة استمرارها، والتي قد تؤدي إلى اتساع نطاق الحرب على مستوى الإقليم ككل. عندها ستدخل المنطقة بأسرها في دوامة قد تشمل دولاً أخرى، ويحدث ما لا يُحمد عقباه... لا سمح الله.