مع إشراقة شمس يوم أمس ، وبينما كان الوطن يتنفس كبرياءه المعهود ، طفت على سطح المشهد حادثة يندى لها الجبين ، ولا يمكن أن تمر مرور الكرام على كل من تشرب حب هذه الأرض الطاهرة . كائنة نكرة غريبة عن قيمنا و – ويعيب علينا تسميتها " صبية " لما في هذا اللفظ من براءة ونضارة لا تستحقها – تتجرأ بجهالة مطبقة وضيق أفق على الرمز الوطني الأول ، على " الراية الأردنية " التي ما خفقت إلا لتعلن كبرياء أمة وعزة وطن . إن هذا السلوك المسخ ليس مجرد تصرف عابر ، بل هو تجسيد لضحالة فكرية وانبتات وطني ، يستوجب منا الوقوف بحزم ضد كل من يحاول النيل من قدسية رموزنا .
" راية العقاب " وعمقها النبوي الشريف :
إن ما نراه اليوم من استهزاء بقدسية العلم ينم عن جهل مركب بما تمثله هذه الألوان . فعلمنا الأردني ليس تصميماً هندسياً عفوياً ، بل هو استمرار لشرعية تاريخية ودينية ممتدة ، فاللون الأسود الذي قد يراه البعض مجرد لون ، هو في حقيقته " راية العقاب " ، راية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، التي حملها لواءً للحق والعدل ، لتمتزج في علمنا الأردني قدسية الرسالة بعراقة الدولة .
105 أعوام من الشموخ في كل ركن من الوطن :
منذ تأسيس الدولة الأردنية عام 1921 م ، وبزوغ فجر الإمارة ، ظلت هذه الراية خفاقة شامخة طيلة 105 أعوام . لم تنحنِ يوماً ولم تتراجع ، بل كانت الشاهد الأكبر على بناء مؤسساتنا ، وعلى صمودنا أمام كافة التحديات . هي الراية التي تعانقت مع مآذن القدس ، واحتضنتها سهول إربد الخصيبة ، وشمخت بها جبال عجلون وجرش ، ورفرفت فوق ساحات الكرامة الأبية وفي عروق البلقاء الشماء ، لتبقى رمزاً للسيادة التي لا تقبل المساس منذ لحظة التأسيس ولغاية يومنا هذا .
الراية التي توحد مدن الوطن وشهداءه :
إن هذا العلم ليس مجرد قماش ، بل هو " عباءة الكرامة " التي لُفّ بها شهداؤنا الأبرار وهم يُزفون إلى جنات الخلد . لقد ارتوى هذا العلم بدماء الرجال الذين قدموا أرواحهم رخيصة من المفرق بوابة الصحراء ، إلى الزرقاء مدينة الجند والعسكر ، ومن هيبة الكرك وتاريخها الضارب في الجذور ، إلى الطفيلة الهاشمية ومواقفها الشجاعة ، وصولاً إلى مأدبا الفسيفساء ، و معان العز والكرامة التي استقبلت طلائع الثورة ، وانتهاءً بعقبة الخير ثغر الأردن الباسم . فكيف لتلك النفوس الفارغة أن تتطاول على رمز كان آخر ما احتضن أجساد أبطالنا في لحظات وداعهم الأخيرة ؟ إن المساس بالعلم هو مساس بحرمة الشهادة وكرامة الجيش العربي المصطفوي .
رسالة إلى المربين والمجتمع :
بصفتي كتربوي واكاديمي و باحث في التاريخ ، ارى أن هذه الحادثة هي نتاج فجوة في التنشئة الوطنية وسقوط في قاع التبعية لثقافات مشوهة . إن العلم يجب أن يُقدس في القلوب قبل أن يُرفع على السواري . يجب أن يعلم الجميع أن هذا العلم هو " العقاب " الذي لا يُهزم ، وهو الراية الهاشمية التي حملت أمانة الرسالة والدفاع عن المقدسات منذ مئة وخمسة أعوام ، وستظل بإذن الله فوق رؤوسنا ما حيينا .
ستبقى رايتنا الأردنية خفاقة في سماء عمان وكل شبر من وطننا العزيز ، ولن تنال منها جهالة جاهل أو حماقة مستهتر يقتات على إثارة الفتن . إن هيبة العلم من هيبة الدولة ، وكرامة الرمز من كرامة الشعب . فليعلم الجميع أن تحت هذه الراية رجالاً يحرسونها بأهداب العيون ، وأن التاريخ لا يرحم من يبيع انتماءه مقابل لحظة استعراض بائسة .
عاش الأردن ... وعاشت رايته عزيزة شامخة ... وعاش قائده المفدى حادي الركب وعميد آل البيت الأطهار ... وعاش شعبه الأبي الصامد .