دولة الاستاذ أحمد
عبيدات: مدرسة في الشجاعة والإصلاح والنزاهة
نيروز
– محمد محسن عبيدات
في زمنٍ
تتشابه فيه الوجوه، وتختلط فيه الأدوار، ويغيب فيه الفارق بين رجل الدولة ورجل المنصب،
يطلّ اسم دولة الأستاذ أحمد عبدالمجيد عبيدات، "أبو ثامر”، كاستثناء نادر، وكقيمة وطنية
لا تتكرر كثيراً في تاريخ الأمم. هو ليس مجرد مسؤول سابق تقلّد مناصب عليا، بل مدرسة
في النزاهة، وعنوان للشجاعة، وتجسيد حيّ لمعنى أن تكون الدولة أخلاقاً قبل أن تكون
سلطة، ومسؤولية قبل أن تكون وجاهة.
أحمد عبيدات…
رجل لا أحد يشبهه. ليس لأن المناصب صنعت مجده، بل لأن مواقفه هي التي منحت المناصب
معناها الحقيقي. من مدير للمخابرات العامة، إلى وزير للداخلية، إلى رئيس للوزراء، ظل
في كل موقع هو ذاته: صلباً في الحق، نزيهاً في القرار، مخلصاً للوطن، متجرداً من الأهواء
والمصالح، لا يبدّل جلده بتبدّل الكرسي، ولا يساوم على مبادئه مهما اشتدت العواصف.
كان نهجه
إصلاحياً حقيقياً لا تجميلياً، عميقاً لا سطحياً، صادماً للفاسدين ومزعجاً لأصحاب النفوذ
غير المشروع. لم يؤمن يوماً بأن الدولة تُدار بالمجاملة أو بالخوف، بل بالعدالة وسيادة
القانون وهيبة المؤسسات. لذلك حمل شعار "من أين لك هذا؟” لا كجملة للاستهلاك الإعلامي،
بل كسيفٍ مشرع في وجه كل من تجرأ على المال العام أو ظنّ أن الدولة غنيمة. فحارب الفساد
والفاسدين، وأحال كثيرين إلى القضاء، غير آبهٍ بما يترتب على ذلك من عداوات أو حملات
تشويه، لأنه كان يعرف أن الطريق إلى الإصلاح لا يُعبّد بالورود، بل بالمواقف الشجاعة.
عرفه الأردنيون
رجلاً شجاعاً لا يهادن في الحق والحقيقة، يقول رأيه بوضوح ولا يخاف في قول الحق لومة
لائم، حريصاً على كرامة الدولة وهيبتها، ومؤمناً بأن الولاية مسؤولية وأمانة وليست
امتيازاً. كان صلباً حراً، لا ينحني إلا لله، ولا يوقّع قراراً إلا وهو مطمئن لعدالته،
ولا يتراجع عن موقف إلا إذا ثبت له أنه أخطأ، فيراجع نفسه بشجاعة الكبار.
وفي زمنٍ
أغرت فيه السلطة كثيرين، ظل أحمد عبيدات نموذجاً نادراً للنزاهة المطلقة. عاش نظيف
اليد، عفيف النفس، زاهداً في الأضواء، كارهاً للمظاهر المزيفة، لا يحب الألقاب ولا
الفشخرة، ولا يسعى للظهور الإعلامي، مكتفياً بأن يكون صادقاً في القول والعمل، نزيهاً
في القرار، عادلاً في الحكم.
كان قلبه
على الوطن ومع الارتقاء به في كل المجالات، يعمل من أجل حياة أفضل لجميع المواطنين
دون تمييز، مؤمناً بأن العدالة الاجتماعية أساس الاستقرار، وبأن كرامة المواطن هي جوهر
هيبة الدولة. ولو قُدّر له أن يبقى رئيساً للوزراء لفترات أطول، لربما كان حالنا اليوم
مختلفاً عمّا وصلنا إليه، في ظل ما نشهده من أزمات وفساد وفقر وبطالة وتراجع في القيم.
وفي قضايا
الأمة، كان ثابتاً لا يتلوّن. كره العدو ولم يؤمن بسلامٍ معه، واعتبر فلسطين قضيته
المركزية التي لا تفاوض عليها ولا مساومة بشأنها. لم يساوم على كرامة الأمة، ولم يبع
المواقف، ولم يغيّر بوصلته تحت ضغط السياسة أو حسابات المصالح. ظل يرى أن العدل هو
الطريق الوحيد إلى السلام الحقيقي، وأن الحقوق لا تسقط بالتقادم ولا بالتوقيع.
أحمد عبيدات
ليس رجلاً عادياً في سجل الدولة الأردنية، بل صفحة مشرقة في تاريخها السياسي والأخلاقي.
رجل دولة بمعنى الكلمة: شريف، نظيف، عفيف، صادق، مؤمن، ورع، صاحب خلق ودين، يمثل نموذجاً
نادراً للنزاهة والإصلاح والعدالة والشفافية، في زمنٍ غابت فيه هذه القيم، وظهر فيه
الرويبضة، واستشرى فيه الفساد، وتفاقم فيه الظلم والفقر والبطالة.
واليوم،
وهو يرقد على سرير الشفاء، تتجه القلوب قبل الألسنة بالدعاء الصادق لدولة الأستاذ أحمد
عبيدات، بأن يمنّ الله عليه بالشفاء العاجل، وأن يلبسه ثوب الصحة والعافية. فهو من
القلّة القليلة الذين يستحقون لقب "دولة”، رغم أنه لا يحب الألقاب ولا يتباهى بها،
بل يجسّدها فعلاً لا قولاً، سلوكاً لا شعاراً.
دولة أحمد
عبيدات… رجل لا أحد يشبهه. لأنه لم يكن نسخة عن أحد، ولم يسمح للمنصب أن يصنع شخصيته،
بل صنع هو للمنصب هيبته ومعناه. هو شاهد حيّ على أن النزاهة ممكنة، وأن الإصلاح ليس
وهماً، وأن رجل الدولة الحقيقي لا يُقاس بطول بقائه في السلطة، بل بعمق أثره في وجدان
شعبه وتاريخ وطنه.
سيبقى
اسمه محفوراً في الذاكرة الوطنية رمزاً للصدق والعدل والشجاعة، ودليلاً على أن هذا
الوطن ما زال قادراً على إنجاب رجال دولة من طراز لا يتكرر كثيراً… رجالٍ لا أحد يشبههم.