بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبة ( تربوي وباحث في التاريخ والحضارة )
على بعد تسعة كيلومترات فقط إلى الشرق من مدينة إربد، وبين ثنايا السهول التي تداعبها رياح حوران، يغفو تاريخٌ ضارب في القدم، ينتظر من يزيح عنه غبار النسيان. هنا في بلدة " حوارة " العريقة، تبرز منطقتا " اليصيلة " و" ظهر المغر " كشاهدين حيين على عبقرية الإنسان الذي طوع الصخر الكلسي ليبني حضارة لم تنطفئ شعلتها عبر العصور.
ذاكرة مكان : من " حلف المدن : الديكابوليس " إلى عبق التاريخ
لا يُعد موقع " اليصيلة " مجرد نقطة جغرافية، بل هو حلقة وصل استراتيجية ضمن إقليم " حوران " القديم. يرى المؤرخون أن الموقع يمثل امتدادا حضاريا لمدن حلف " الديكابوليس " الشهيرة، حيث كشفت اللقى الأثرية وكسر الفخار والنقود المكتشفة عن استيطان بشري متواصل بدأ منذ العصر الهلنستي، وازدهر في العهدين الروماني والبيزنطي، وصولا إلى العصور الإسلامية التي منحت المكان صبغة من التسامح والتعايش.
" ظهر المغر " .... مدينة الموتى التي تضج بالحياة
يُعرف الجزء المرتفع من الموقع بـ " ظهر المغر " ( أو سطح الكهوف )، وهو الاسم الذي أطلقه الأهالي محليا لوصف تلك الهضبة التي تحتضن في أحشائها مقابر منحوتة بدقة متناهية. هذه المدافن الصخرية، بتجاويفها المصممة لوضع التوابيت، تحكي قصة مجتمعات قديمة قدست الموت بقدر احتفائها بالحياة.
ولم يكن الموقع جنائزيا فحسب، بل كان نابضا بالهندسة المائية، حيث يضم " نبع اليصيلة " وخزانات وآبار وقنوات ري قديمة، تتوجها " البركة الرومانية " الشهيرة في بلدة حوارة، والتي كانت يوما المورد الأساسي للقوافل التجارية والزراعة في المنطقة.
عمارة روحية : الكنيسة التي عانقت المحراب
من أجمل ملامح التراكم الحضاري في اليصيلة، بقايا تلك الكنيسة البيزنطية ذات الأعمدة المزخرفة. التاريخ يخبرنا هنا بوضوح عن مرونة المكان، حيث تحول جزء من هذا الصرح الديني في العصور اللاحقة إلى مسجد، في مشهد يجسد أسمى صور التعاقب الحضاري والتسامح الديني الذي عرفته أرض الأردن.
" الأصيلة " .... بين سحر الطبيعة وشهامة الخيول
يرتبط اسم " الأصيلة " في الوجدان الشعبي لأهالي إربد بقصص الفروسية، إذ تروي الذاكرة المجتمعية أن هذه السهول كانت مرابط للخيول العربية الأصيلة. واليوم، يتحول الموقع في فصل الربيع إلى لوحة سريالية، حيث تكتسي الصخور الأثرية بعباءة من أزهار " الدحنون " و" السوسنة السوداء "، مما يجعله المقصد الأول لـ " سيران ( بلهجة اهل الشام ) " العائلات التي تبحث عن إطلالة بانورامية تمتد لتكحل العين برؤية جبل الشيخ ومرتفعات الجولان.
استغاثة صامتة : هل ننقذ إرثنا ؟
رغم هذه القيمة التاريخية والجمالية، يواجه موقع " اليصيلة " اليوم تحديات جسيمة، بدءا من الزحف العمراني المتسارع، وصولا إلى أعمال التنقيب العشوائي التي تهدد معالمه.
يرى خبراء الآثار أن إنقاذ " اليصيلة " يتطلب رؤية وطنية شاملة تتضمن :
١ ) التأهيل السياحي : إدراج الموقع رسميا ضمن المسارات السياحية في شمال المملكة.
٢ ) الحماية والترميم : تسوير المناطق الحساسة وحمايتها من العبث القانوني.
٣ ) الشراكة الأكاديمية : فتح الباب أمام الجامعات الأردنية ( وعلى رأسها جامعة اليرموك ) لإجراء تنقيبات علمية ممنهجة تكشف عما تبقى من أسرار تحت التراب.
إن " ظهر المغر " واليصيلة ليسا مجرد حجارة صماء، بل هما هوية مسطورة على صفحة الأرض. وحماية هذا الإرث ليست ترفا، بل هي أمانة للأجيال القادمة ليعرفوا أن أجدادهم هنا
... في حوارة ... كتبوا التاريخ بالماء والصخر والكرامة.