كشفت دراسة ميدانية أمريكية أن إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في بيئات العمل لا يجعل الموظفين أكثر إبداعاً بشكل تلقائي، مؤكدة أن عقل الموظف وطريقة إدارته لتفكيره هما العامل الحاسم في تحقيق المخرجات الإبداعية.
ووفقاً لتقرير نشره موقع "PsyPost"، فإن الدراسة، التي صدرت في "مجلة علم النفس التطبيقي" (Journal of Applied Psychology)، انتهت إلى أن الذكاء الاصطناعي يعمل كمضاعِف للقوة فقط لدى الأفراد الذين يمتلكون مهارات ذهنية معينة في تنظيم التفكير والوعي به.
عبء المعرفة ودور الذكاء الاصطناعي
وأشارت الدراسة، التي قادتها الباحثة شوهوا صن من كلية "إيه. بي. فريمان" للأعمال بجامعة تولين، إلى أن العقبة الكبرى أمام الإبداع في بيئات العمل هي ما يُعرَف بـ"عبء المعرفة"؛ إذ يستهلك الموظف جزءاً كبيراً من طاقته في جمع وتحليل البيانات، ما يقلل المساحة الذهنية المتاحة للابتكار.
وبيّنت أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخفف هذا العبء عبر تولي المهام الشاقة والروتينية المرتبطة باسترجاع المعلومات ومعالجتها الأولية، الأمر الذي يتيح للموظف مساحة أكبر للتفكير الإبداعي.
مع ذلك، أظهرت التجربة، التي شملت 250 موظفاً في إحدى شركات الاستشارات التقنية، أن إتاحة الوصول إلى أدوات ذكاء اصطناعي توليدي مثل "ChatGPT" لم يؤدِّ إلى ارتفاع مستوى الإبداع لدى جميع المشاركين بشكل متساوٍ.
"ما وراء المعرفة".. المحرك السري للابتكار
ووجدت الدراسة أن الفائدة الحقيقية من استخدام الذكاء الاصطناعي تعتمد على مستوى "ما وراء المعرفة" (Metacognition)، وهي قدرة الفرد على مراقبة تفكيره وتعديل مساراته بوعي.
وأوضحت النتائج أن الموظفين الذين وضعوا خططاً واضحة لخطوات عملهم، وقيّموا بشكل واعٍ مدى حاجتهم الفعلية للذكاء الاصطناعي وكيفية توظيفه، هم الذين حققوا مخرجات أكثر ابتكاراً، في حين قدّم الآخرون نتائج نمطية ومكررة.
وفي هذا السياق، قالت الباحثة شوهوا صن: "الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يجعل الناس أكثر إبداعاً تلقائياً، فالأفراد الذين يراقبون فهمهم بفعالية، ويدركون نوع المساعدة التي يحتاجونها، ويقررون بوعي متى وكيف يستخدمون الذكاء الاصطناعي، هم الأكثر استفادة منه إبداعياً".
تحذير من الاعتماد الآلي وغير الواعي
وتحذّر الدراسة من أن الاعتماد الآلي وغير الواعي على التقنية يمكن أن يضعف المخرجات الإبداعية بدلاً من تحسينها، مشددة على أن الاستثمار الحقيقي للشركات لا يجب أن يقتصر على شراء البرمجيات والأدوات التقنية، بل يمتد إلى تدريب الكوادر البشرية على "كيفية التفكير" ودمج الذكاء الاصطناعي في سير العمل بطريقة استراتيجية.
واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن أقوى أداة في المكتب ليست تلك التي تظهر على الشاشة، بل تلك الكامنة في عقل المستخدم، وأن فعالية الذكاء الاصطناعي في تعزيز الإبداع ترتبط مباشرة بوعي الفرد بكيفية استخدامه وإدارة تفكيره أثناء ذلك.