بينما تشهد الساحة الدولية تحولات متسارعة تميل نحو الصدام والارتجال السياسي، تبرز في الواجهة ظاهرتان تتقاطعان في جوهر السلوك "الفج" والتعالي على القوانين والمواثيق الدولية؛ الأولى يمثلها وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، والثانية يجسدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
يرى العديد من المراقبين والمحللين أن هذا "العلو" والغطرسة السياسية ليسا علامة قوة، بل هما المؤشر الكلاسيكي الذي تنبأت به النظريات التاريخية والاجتماعية لـ "انهيار البنيان" وتفكك النظم من الداخل.
نهج الصدام والانتهاكات المستمرة
1. بن غفير: هندسة التنكيل وأحادية القوة
منذ توليه حقيبة الأمن القومي، قاد إيتمار بن غفير سياسة علنية تقوم على التغول والانتهاك الممنهج، مستهدفاً الفئات الأكثر ضعفاً وحساسية في الصراع:
•التنكيل بالأسرى الفلسطينيين: حوّل بن غفير السجون والمعتقلات إلى ساحة انتقام شخصي وسياسي. تباهى علناً بتقليص وجبات الطعام (حتى عانى الأسرى من سوء تغذية حاد أثبتته تقارير حقوقية رسمية)، وأمر بقطع المياه، وإغلاق المخابز، وإلغاء الزيارات، وصولاً إلى الدفع بقوانين لتوسيع عقوبة الإعدام. ورغم صدور قرارات من المحكمة العليا الإسرائيلية تلزمه بتحسين شروط الغذاء والدعم الطبي، إلا أن الانتهاكات استمرت تحت غطاء "سياسة التضييق".
•اقتحامات المسجد الأقصى والاعتداء على الأهالي: قاد بنفسه وبشكل متكرر اقتحامات استفزازية لباحات المسجد الأقصى المبارك، متجاوزاً "الوضع القائم" (Status Quo) التاريخي، وموجهاً رسائل فجة تتحدى مشاعر المسلمين حول العالم. تزامن ذلك مع إطلاق يد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس للاعتداء على الأهالي ومصادرة ممتلكاتهم وتوسيع الاستيطان تحت حماية عسكرية مباشرة.
•التعامل الفج مع قوافل المساعدات وسفن السلام: تاريخياً وحالياً، اتسم سلوك اليمين الذي يمثله بن غفير بالعداء المطلق لأي جهد دولي إنساني، حيث تكررت الاعتداءات والتحريض على قوافل المساعدات الإنسانية المتوجهة لقطاع غزة، وإقرار تشريعات تضيق على المنظمات الدولية والأممية.
2. ترامب: تفكيك النظام الدولي وخطاب الإبادة
على المقلب الآخر، يعيد دونالد ترامب صياغة السياسة الخارجية الأمريكية بلغة "الصفقات والتنازلات الإجبارية" والتهديدات العسكرية المباشرة:
•التطاول على الحلفاء الأوروبيين: يواصل ترامب التشكيك علناً في جدوى حلف شمال الأطلسي (NATO)، والمنّ على الأوروبيين بالحماية، مهدداً بسحب القوات الأمريكية وتقليص الالتزامات الأمنية ما لم يدفعوا "ثمن الحماية"، وهو سلوك يضرب في الصميم تحالفات استمرت لعقود.
•تهديد الحضارة الإيرانية: مع تصاعد حدة المواجهة العسكرية والاقتصادية مع طهران، لم يتوانَ ترامب عن إطلاق تصريحات هجومية هدد فيها بإعادة إيران "إلى العصر الحجري" وتدمير بنيتها التحتية والكهربائية، متجاوزاً لغة الدبلوماسية إلى لغة الإبادة الثقافية والجغرافية.
•تسليع القضية الفلسطينية (بيع غزة): يتعامل ترامب مع الجغرافيا السياسية بمنطق العقارات؛ حيث جرى التعاطي مع دمار غزة ومستقبلها كفرصة لـ "صفقات عقارية ساحلية" وتحويل القضية إلى ملف استثماري تجاري، مع تهميش كامل للحقوق التاريخية والإنسانية للشعب الفلسطيني.
•الوقاحة مع قادة العالم: يعتمد ترامب أسلوباً يعتمد على الإهانة العلنية، وتجاوز البروتوكولات الدولية، واستخدام منصات التواصل لتهديد رؤساء الدول، معتبراً العالم مجرد سوق تحكمه القوة المادية الفجة.
الدلالات السوسيولوجية والتاريخية | كيف يفسر ابن خلدون هذا "العلو"؟
تجد هذه الحالة من الغطرسة المشتركة صدىً عميقاً في الفلسفة التاريخية وعلم الاجتماع، وتحديداً في "مقدمة ابن خلدون" ونظريات صعود وسقوط الحضارات.
1. نظرية ابن خلدون: "الظلم مؤذن بخراب العمران"
في فقه العمران البشري عند ابن خلدون، لا تُقاس قوة الدولة بجيشها وفوقيتها المادية فحسب، بل بمدى التزامها بالعدل والشرعية والأخلاق.
•تجاوز الحد وانقلاب الطبع: يرى ابن خلدون أن الدول عندما تصل إلى قمة ترفها وعلوها المادي، يصيب قادتها "الاستبداد والغطرسة". تصرفات بن غفير مع الأسرى، وتصريحات ترامب ضد الدول والشعوب، هي تجسيد دقيق لـ "القوة العارية" التي تتخلى عن الأخلاق والدبلوماسية وتعتمد فقط على الإخضاع.
•تفكك العصبية والشرعية: عندما يمارس الحاكم (أو الدولة) الظلم والوقاحة السياسية، فإنه يفكك "العصبية" (الرابطة واللحمة التي تجمع المجتمع أو الحلفاء). ترامب بتطاوله على أوروبا يفكك العصبية الغربية، وبن غفير بممارساته ينهي أي واجهة "قانونية أو ديمقراطية" يدعيها كيانه، مما يجعل البنيان هشاً من الداخل، بانتظار الصدمة التي تؤدي إلى الانهيار.
2. النظريات التاريخية الأخرى (توبنبي وفيكو)
•تحدي واستجابة (أرنولد توينبي): يرى المؤرخ البريطاني توينبي أن الحضارات والأنظمة تسقط بسبب "الانتحار الذاتي" (Self-inflicted) وليس بسبب عوامل خارجية فقط. يحدث الانتحار عندما تتحول "الأقلية الحاكمة" من قادة مبدعين ملهمين إلى "أقلية مسيطرة" تحكم بالقمع والوقاحة. ما يفعله ترامب وبن غفير هو تجسيد لهذه الأقلية المسيطرة التي فقدت القدرة على تقديم حلول أخلاقية أو إنسانية، فصارت تلجأ للتهديد والبطش، وهو المؤشر الأول على قرب الأفول والانهيار.
•الدورة التاريخية (جيامباتيستا فيكو): يتحدث الفيلسوف الإيطالي فيكو عن "عصر الأبطال" ثم "عصر الرجال" وصولاً إلى "عصر البربرية الثانية" أو بربرية العقل. في هذه المرحلة، ورغم امتلاك المجتمعات لأحدث وسائل التكنولوجيا والجيوش (كما في أمريكا وإسرائيل)، إلا أن السلوك السياسي ينحدر إلى الهمجية والبدائية الأخلاقية، حيث تسود لغة الغاب والقرصنة وتختفي القوانين الدولية، وهي المرحلة التي تسبق مباشرة إعادة ضبط التاريخ وانهيار النظام القائم.
خلاصة: إن حالة "العلو" والتصرف الفج التي تصدر عن نماذج مثل بن غفير وترامب ليست دليلاً على ديمومة النفوذ، بل هي الأعراض الجانبية الحتمية لمنظومات بلغت ذروة توغلها المادي وبدأت في التآكل الأخلاقي. وكما علمنا التاريخ؛ فإن البنيان الذي يُشيّد على أساس النرجسية السياسية وقهر الإنسان وتدمير الحضارات، هو الأسرع انهياراً عندما تهب رياح التغيير الحتمية.