يرتبط اسم الجيش العربي المصطفوي في وجدان الأردنيين بقيم التضحية والبطولة وحفظ الأمن وإلى جانب هذا الدور الدفاعي المقدس ، تقف منظومة ( القضاء العسكري الأردني) كشاهد حي على عراقة الدولة ومؤسساتها التشريعية ، إذ يمثل هذا القضاء العريق نموذجاً استثنائياً يدمج بين الضبط والربط العسكري الصارم ، وبين أرفع مبادئ النزاهة القانونية ، ليظل حامياً للحقوق والواجبات وضامناً للأمن الوطني والمجتمعي .
أولاً : الحصانة الدستورية وحصر الاختصاص قد يظن البعض خطأً أن اختصاص المحاكم العسكرية أو محكمة أمن الدولة مفتوح بلا قيود ، لكن الفقه القانوني الأردني يثبت أن المشرع وضع تسييجاً دستورياً حازماً لحماية الحقوق والحريات ، فقد جاءت التعديلات الدستورية (تحديداً المادة 101 من الدستور الأردني) لتضع قيداً صارماً يحظر محاكمة أي شخص مدني أمام محكمة أمن الدولة إلا في خمسة جرائم محددة حصراً وهي :
(الخيانة ، التجسس ، الإرهاب ، جرائم المخدرات ، وتزييف العملة ) وهذا الحصر الدستوري يمثل أسمى درجات الأمن القانوني حيث يضمن للمواطن الأردني أن قضاياه الطبيعية تظل أمام قاضيه المدني ، في حين تقتصر المحاكم الخاصة على الجرائم الكبرى التي تهدد كيان وشريان الاستقرار الوطني .
ثانياً : إلزامية حق الدفاع والعلانية (المادة 208 من قانون أصول المحاكمات العسكري) تتطابق إجراءات التقاضي في المحاكم العسكرية مع أرقى المعايير العالمية لحقوق الإنسان والمحاكمة العادلة وتتجلى هذه الحقيقة في قانون أصول المحاكمات الجزائية العسكري (وتحديداً المادة 208 ومستنداتها التعديلية ) والتي توجب علانية المحاكمات كأصل عام
لا يجوز المساس به ، كما تكفل حق المتهم المطلق في الاستعانة بمحامٍ نظامي يختاره في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة ، بل إن القانون ذهب إلى أبعد من ذلك ففي الجرائم
الجنائية العسكرية الخطرة التي تصل عقوبتها إلى الإعدام أو الوضع بالأشغال الشاقة المؤبدة ، إذا تبين أن المتهم غير قادر مادياً على توكيل محامٍ ، تلزم المحكمة بتعيين محامٍ له على نفقة القوات المسلحة الأردنية لضمان عدم محاكمة أي إنسان دون دفاع قانوني
كفؤ يمثله .
ثالثاً : المظلة القضائية العليا (رقابة محكمة التمييز الموقرة ) إن الضمانة الكبرى التي تقطع الطريق على أي لغط ، هي خضوع أحكام محكمة أمن الدولة والمحاكم العسكرية في الجنايات لرقابة محكمة التمييز الأردنية الموقرة ( أعلى جهة قضائية في المملكة ) بموجب أحكام القانون الأردني ، فإن محكمة التمييز تبسط رقابتها الشاملة بصفتها محكمة
( موضوع وقانون على هذه الأحكام ) وتدقق في سلامة تطبيق القضاة العسكريين للنصوص والوقائع ، هذا الارتباط القضائي الوثيق يؤكد تفرد المنظومة الأردنية فالقضاء العسكري ليس معزولاً ، بل هو جزء لا يتجزأ من الجسد القضائي الأردني الموحد الذي يستظل برأسه تحت مظلة محكمة التمييز ومبادئها الراسخة التي تحمي الحقوق المكتسبة وحرية الأفراد .
إن القضاء العسكري الأردني سيبقى دائماً الذراع القانونية الحازمة التي تصون هيبة الدولة وتضمن حماية المجتمع فهو يثبت يوماً بعد يوم ، ومن خلال نصوص دستورية صارمة ورقابة تمييزية رفيعة ، أن ( السيف ) الذي يحمي الحدود من الطامعين ، يمسك في الداخل بـ ( ميزان العدالة والنزاهة المطلقة ) تحية اعتزاز وفخر لرجال القضاء العسكري البواسل ولأجهزتنا الأمنية وقواتنا المسلحة الباسلة ، الذين يسطرون بأفعالهم وأحكامهم مسيرة قرن من العدالة والنزاهة في ظل الراية الهاشمية الخفاقة .