مع تصاعد حمى التنافس في بطولات كأس العالم، لا ينحصر الصراع داخل المستطيل الأخضر بين الخطط التكتيكية والجاهزية البدنية، بل يمتد في كثير من الأحيان إلى كواليس الحرب النفسية والإعلامية التي توظف فيها المعتقدات الشعبية.
وفي هذا السياق، يعود اسم المشعوذ والمعالج الروحي الغاني الشهير، نانا كواكو بونسام، ليفرض نفسه بقوة على واجهة الجدل الرياضي العالمي، مستغلاً شغف الجماهير لمواصلة إطلاق ادعاءاته المثيرة حول قدرته على توجيه نتائج المباريات وصياغة مصائر كبار نجوم اللعبة عبر طقوس السحر الأسود المعروفة محلياً في غرب أفريقيا باسم "الجوجو" (Juju).
وتملك الصحافة الرياضية العالمية سجلاً حافلاً لادعاءات بونسام التي بدأت تأخذ منحىً عالمياً منذ مونديال البرازيل 2014؛ فحينها أعلن الكاهن الغاني صراحة أنه وراء الإصابة الشهيرة التي ألمّت بالنجم البرتغالي كريستيانو رونالدو في أوتار الركبة وساق اليسرى قبل مواجهة غانا في دور المجموعات، زاعماً أنه وضع تميمة سحرية خاصة تُدعى "كاهويري برام" لحرمان الدون من خوض البطولة بكامل طاقته.
ورغم أن التقارير الطبية الرسمية الصادرة عن الاتحاد البرتغالي لكرة القدم (FPF) واللجنة الطبية للفيفا دحضت تلك الخرافات علمياً، مؤكدة أن إصابة رونالدو كانت ناتجة عن إجهاد عضلي حاد والتهاب في الأوتار بسبب موسم شاق مع ريال مدريد، إلا أن تصريحات بونسام تحولت إلى مادة دسمة لوسائل الإعلام البريطانية والعالمية.
وفي النسخة الأحدث من بطولة كأس العالم، تكرر المشهد ذاته ولكن بحدة أكبر أثارت تفاعلاً واسعاً في الشارع الرياضي الإنجليزي؛ إذ استهدف بونسام قائد منتخب إنجلترا وهدافها التاريخي هاري كين قبل المواجهة المرتقبة ضد "النجوم السوداء" (منتخب غانا)، معلناً أنه يعكف على ممارسة طقوس خاصة لشل فاعلية كين الهجومية.
والمثير للدهشة أن المباراة انتهت بالفعل بالتعادل السلبي، وشهدت إهدار كين لفرص محققة على غير عادته، مما أشعل منصات التواصل الاجتماعي بين متندر ومصدق، قبل أن يخرج بونسام في مقطع فيديو عبر صفحته الرسمية على "فيسبوك" ليعلن "رفع اللعنة" عن المهاجم الإنجليزي، واصفاً نفسه بأنه "أقوى معالج روحي على وجه الأرض"، وموجهاً رسالة شخصية لكين يعده فيها بزيارته في لندن ومؤكداً على مشاعر الأخوة التي تجمعهما، في محاولة ذكية لكسب زخم إعلامي إضافي عقب المباراة المقبلة.
وتكشف السيرة الذاتية لنانا كواكو بونسام، الذي يدير مزاراً رئيسياً للطقوس التقليدية في قرية "أوفواسي" القريبة من كوماسي وأكرا، عن شخصية تجيد صناعة النجومية الإيجابية والسلبية على حد سواء؛ فالرجل الذي يمتد نشاطه لأكثر من عقدين عاش خلالها في عواصم أوروبية وأمريكية مثل نيويورك وأمستردام وبرلين، لا يشبه الكهنة التقليديين في نمط حياتهم البسيط، بل يظهر دائماً في مقاطعه مستعرضاً أسطولاً من السيارات الفارهة وملابس من أشهر دور الأزياء العالمية، بل إنه وظف هذه الشهرة الجارفة في بلاده للترشح سابقاً في الانتخابات البرلمانية الغانية عن دائرة "أوفينسو الشمالية".
من وجهة النظر الرياضية والعلمية المتخصصة، يجزم خبراء الطب الرياضي ومحللو الأداء في الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) أن هذه الظواهر لا تعدو كونها فقاعات إعلامية وأدوات ضغط نفسي؛ فكرة القدم الحديثة باتت تدار بآليات علمية صارمة تخضع فيها اللياقة البدنية والذهنية للاعبين لبيانات حاسوبية دقيقة وفحوصات مخبرية دورية.
ويؤكد المحللون أن تراجع مستوى لاعب مثل هاري كين في مباراة معينة أو إهداره لفرصة للتسجيل يعود في المقام الأول إلى قراءة تكتيكية ناجحة من مدرب الخصم، أو إغلاق زوايا التمرير، أو حتى لعوامل مرتبطة بالضغط الذهني والإرهاق البدني، ولا يمكن بأي حال من الأحوال ربطها بقوى غيبية أو طقوس روحية، حيث تظل ادعاءات بونسام حبيسة الإثارة الصحفية والموروثات الشعبية دون أي سند حقيقي في عالم الرياضة الاحترافية.