يتابع المختصون الجويون في مراكز الأرصاد الجوية والمراكز المناخية حول العالم مخرجات المحاكاة الحاسوبية وبيانات الرصد المرتبطة بدرجات حرارة سطح المسطحات المائية، لما لها من دور أساسي في فهم طبيعة الأنماط الجوية السائدة على مستوى نصفي الكرة الأرضية.
وتركز هذه المراكز بشكل خاص على الجزء الاستوائي من المحيط الهادئ، وتحديدا المنطقة الممتدة قبالة سواحل أمريكا الجنوبية، حيث تستخدم قياسات حرارة سطح البحر كمؤشر رئيسي لتطور الظواهر المناخية واسعة النطاق التي تتبدل معها خرائط الطقس الدولية.
وتشير التقارير العالمية الحديثة ومخرجات النماذج العددية إلى تطور حالة مناخية حادة تعرف باسم "السوبر نينيو"، وهي مرحلة متقدمة واسعة التأثير من ظاهرة النينيو المعروفة.
وتحدث هذه الحالة نتيجة ارتفاع كبير وغير طبيعي في درجات حرارة سطح المياه في الجزء الاستوائي من المحيط الهادئ، مما يؤدي إلى إحداث خلل عنيف في التوازن الحراري المتبادل بين المحيط والغلاف الجوي.
هذا الاضطراب الحراري ينعكس بشكل مباشر على الأنماط الجوية العالمية، عن طريق التأثير في توزيع أنظمة الضغط الجوي وحركة التيارات الهوائية النفاثة، وبالتالي إعادة تشكيل مسارات المنخفضات والمرتفعات الجوية حول العالم خلال الشهور القادمة.
ومن الناحية العلمية الدقيقة، تعد المحيطات أحد أهم المحركات الرئيسية للنظام المناخي العالمي، حيث تعمل كخزان ضخم للطاقة الحرارية.
وعندما يرتفع مؤشر درجة حرارة سطح البحر في مناطق معينة، يتم إطلاق كميات هائلة من الحرارة والرطوبة إلى طبقات الغلاف الجوي، مما يؤدي إلى تعزيز أو إضعاف أنظمة الحمل الحراري وتغيير أنماط دوران الهواء، وهو المرتكز العلمي الذي يفسر التأثيرات المرتبطة بظاهرة النينيو على الطقس العالمي.
وبناء على تلك المعطيات، تظهر النماذج المناخية مجموعة من التأثيرات المتوقعة للسوبر نينيو حسب المؤشرات الإحصائية الحديثة.
فعلى صعيد القارة الأوروبية، ترتفع مخاطر تعرض أجزاء من جنوب غرب أوروبا لموجات حر شديدة تتجاوز المعدلات المناخية المعتادة خلال فصل الصيف، لا سيما في فرنسا وإسبانيا، مع زيادة ملموضة في احتمالية حدوث موجات الجفاف واندلاع حرائق الغابات نتيجة ارتفاع الحرارة وانخفاض الرطوبة.
وفي مقابل ذلك، تشير الخرائط إلى ارتفاع معدلات الأمطار فوق المعايير الطبيعية في حوض البحر الأبيض المتوسط، وخصوصا في الحوضين الأوسط والغربي، مما يرفع قابلية تشكل السيول العنيفة والفيضانات المحلية والعواصف الشديدة.
أما في القارة الأمريكية، فتسجل الولايات المتحدة نشاطا جويا أعلى من المعدل السنوي خلال فصلي الصيف والخريف، مع زيادة فرص هطول الأمطار الغزيرة والفيضانات في بعض الولايات.
وفي المقابل، تشهد مناطق جنوب وشرق آسيا، بما يشمل الهند، وماليزيا، والفلبين، وإندونيسيا، انخفاضا واضحا وحادا في كميات المحاصيل المطرية، وهو التراجع نفسه الذي يطال شمال أستراليا مقارنة بالمعدلات المناخية المعتادة، مع انخفاض الأمطار في الصومال وأجزاء من شرق ووسط أفريقيا مما يزيد من مخاطر الجفاف، بينما ترتفع الهطولات المطرية فوق المعايير في أجزاء من المحيط الهندي بما فيها جزر المالديف.
وعلى صعيد الشرق الأوسط، تنذر المناخيات بنشاط خريفي ملحوظ في منطقة بلاد الشام، والجزيرة العربية، والعراق، وإيران، وتركيا، وجبال القوقاز، نتيجة تغير أنظمة التيارات النفاثة وعبور الأحواض العلوية باردة الطقس.
وتؤدي هذه الظاهرة إلى تباين واضح في درجات الحرارة وتوزيع الهطول في المنطقة، بين فترات زمنية تكون أكثر حرارة من المعتاد وأخرى ترتفع فيها قابلية التأثر بحالات عنيفة ومتتالية من عدم الاستقرار الجوي.