راجت على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة صورة لدبابة إسرائيلية من طراز ميركافا "مقلوبة" رأسا على عقب، وسرعان ما انتشرت كالنار في الهشيم، وكُتِبت عليها جُمَل حماسية وأحيانا ساخرة من قبيل: "طريقة صنع المقلوبة مع الشيف أبي عُبيدة". ورغم أن الصورة الرائجة ليست من الصراع الحالي في غزة وتعود على الأرجح إلى العام 2020، فإن هناك العديد من الصور ومقاطع الفيديو من عملية طوفان الأقصى تظهر دبابات ميركافا تشتعل فيها النيران، وإن لم تنقلب رأسا على عقب بهذا الشكل الدرامي. يسلط ذلك الضوء على السقوط المُريع والمفاجئ للدبابة التي يعتمد عليها الجيش الإسرائيلي الاعتماد الأكبر ويروِّج لكونها إحدى أبرز الدبابات المُدرَّعة في العالم. فلم تكن تلك إذن هي المرة الأولى التي تسقط فيها الميركافا، ولن تكون الأخيرة على الأرجح.
في العقود الأولى من ظهورها إلى الوجود، عكفت دولة الاحتلال الإسرائيلي على بناء عقيدة عسكرية ناجعة في مواجهة الجيوش العربية. وقد صقلت معارك الحرب العالمية الثانية التي شارك فيها بعض اليهود ممن هاجروا لاحقا إلى الأراضي الفلسطينية خبرات ميدانية واسعة لديهم، وسرعان ما استفادت منها العصابات الصهيونية في حرب 1948، بالمقارنة مع العرب الذين لم تكن جيوشهم الوليدة قد اكتسبت خبرة بالحروب. بعد ذلك، عملت إسرائيل على تأسيس قوات مسلحة نظامية مماثلة لنظيراتها الغربية، وسرعان ما وجدت بعض النجاحات في المعارك التي خاضتها أثناء حرب 1956، حيث أثبتت الدبابات نجاحها في مواجهة الجيش المصري الذي كان قد بدأ لتوِّه محاولات التسليح الجادة بصفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكيَّة عام 1955 دون أن يجني ثمارها بَعْد (2).
في تلك الأثناء ظهر اسم الجنرال "يسرائيل طال". لقد كان "طال" واحدا من اليهود الذين تطوَّعوا مع الجيش البريطاني وشاركوا في الكتيبة اليهودية بإيطاليا أثناء الحرب العالمية الثانية، قبل أن ينضم إلى عصابة "الهاجاناه" الصهيونية عام 1946 ثم جيش الاحتلال بعد عام 1948 (3). وقد رأى "طال" من خبرته في المعارك أن الدبابات ستكون مركزية في حسم المعارك مع العَرَب، وتحقَّقت رؤيته بالفعل في حرب 1967 التي لعبت فيها الدبابات دورا محوريا وأفضت إلى أسوأ هزيمة عسكرية عربية في القرن العشرين (4).
نتيجة لذلك، وفي عام 1970، قدَّم "طال" دراسة عن الجدوى الاقتصادية والعسكرية لتطوير وإنتاج دبابة محلية الصنع بالكامل. لكن القدر لم يُمهِله الوقت الكافي كي تظهر أفكاره في ساحة المعركة قبل حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973. وبعد أن هُزِمَت دولة الاحتلال في ذلك العام، خرج "طال" من الخدمة إثر خلافات مع قياداته، ومن ثمَّ تفرَّغ من جديد لمشروع تطوير دبابة إسرائيلية داخل أروقة وزارة الدفاع في دولة الاحتلال، آخذا في الاعتبار أوجه القصور في الدبابات المُستخدمة عام 1973 (5).
في نهاية السبعينيات، وُلِدَت الميركافا من تصاميم "يسرائيل طال"، ودخلت الخدمة عام 1979، وهو العام نفسه للمفارقة الذي وُقِّعَت فيه اتفاقية السلام مع مصر من جهة، واندلعت فيه الثورة الإيرانية من جهة، وبدا فيه لسوء حظ "طال" أن الحروب النظامية في طور الأفول البطيء. على مدار الثمانينيات، تمخَّضت الحرب العراقية-الإيرانية عن طفرة في الحرب غير النظامية عند الحرس الثوري الإيراني، الذي سرعان ما نقل خبراته إلى حزب الله اللبناني كي يواجه جيش الاحتلال الإسرائيلي بعد أن اجتاح لبنان عام 1982. يُضاف إلى ذلك انتقال الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي أيضا إلى عالم الحرب غير النظامية مع منظمة التحرير الفلسطينية، ومن بعدها حركة حماس وغيرها من الفصائل التي واصلت المقاومة المُسلَّحة ضد الاحتلال منذ التسعينيات فصاعدا.