تشهد السياسة العقابية في الأردن تحولاً نوعياً في الفلسفة التي تحكم نظام العدالة الجنائية، من خلال مشروع القانون المعدل لقانون العقوبات لسنة 2025، الذي أقرّه مجلس الوزراء وأُحيل إلى ديوان التشريع والرأي تمهيداً لاستكمال مراحله الدستورية. ويأتي هذا التعديل في سياق التوجّه نحو العدالة الإصلاحية والتصالحية، وإيجاد بدائل للعقوبات السالبة للحرية، وهو ما يُعدّ خطوة متقدمة تستحق الوقوف عندها تحليلاً وتقويماً.
إن العقوبات البديلة، كالسوار الإلكتروني، والعمل لصالح المنفعة العامة، والغرامة أو وقف تنفيذ العقوبة، تمثل أدوات قانونية تستهدف تقليص عدد الموقوفين في مراكز الإصلاح والتأهيل، خصوصًا في ظل وصول نسبة الإشغال فيها إلى 180%، كما صرّح بذلك وزير العدل. هذا الاكتظاظ لا يشكّل عبئاً إدارياً ومالياً على الدولة فحسب، بل يُعيق أيضًا تحقيق الغاية من العقوبة، وهي إصلاح الجاني وتهيئته للاندماج الإيجابي في المجتمع.
من الناحية القانونية، فإن مشروع التعديل يُحدث توازناً بين مبدأ الردع العام ومراعاة الظروف الفردية للمحكوم عليه، إذ يستثني الجرائم الخطرة من نطاق تطبيق العقوبات البديلة، ويركز على المخالفات والجنح البسيطة، مما يُعزّز من فكرة تناسب العقوبة مع جسامة الفعل المرتكب.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن تمكين القاضي من استبدال بقية مدة العقوبة بالغرامة، في حال حسن السلوك، أو منح صلاحية تأجيل أو تقسيط الغرامات، يُعبّر عن توجّه أكثر إنسانية وإنصافاً، خاصة للفئات الهشّة. كما أن فتح الباب للتصالح المجتمعي بين المشتكي والمشتكى عليه يُسهم في ترميم العلاقات الاجتماعية، ويُعيد للقيم المجتمعية دورها في حل النزاعات.
ومع الإشادة بالتوجه الإصلاحي الذي يحمله مشروع القانون المعدل لعام 2025، لا بد من التوقف عند مسألة جوهرية تمس مبدأ استقرار التشريعات، وهي كثرة التعديلات التي تطال قانون العقوبات في فترات زمنية متقاربة. فقد كان آخر تعديل نافذ وفقاً للقانون رقم (10) لسنة 2022، وها نحن اليوم أمام مشروع تعديل جديد بعد أقل من ثلاث سنوات، مما يُثير تساؤلات حول مدى التخطيط التشريعي بعيد المدى. وكان من الأجدر، من منظور تشريعي راشد، أن تُجمع التعديلات الضرورية في إطار شامل ومتكامل، بدلاً من اللجوء إلى تعديلات متكررة تُربك العمل القضائي وتُضعف من يقين المتقاضين واستقرار المراكز القانونية. إن تكرار التعديلات دون مبررات جوهرية طارئة يُعدّ من مظاهر غياب الرؤية التشريعية المتكاملة، ويُسهم في زعزعة الثقة بالنصوص القانونية، ما لم يُقترن بضرورات ملحّة وواضحة. لذا، فإن ترسيخ مبدأ استقرار التشريع وتجنّب العبثية في التعديل يُعدّ ضرورة لضمان فاعلية القانون وسيادته.
ومع أهمية هذا التوجه التشريعي، لا بد من التأكيد على ضرورة دراسة كل حالة على حدة عند تطبيق العقوبات البديلة، لضمان أن تحقق الغاية منها دون الإخلال بالعدالة أو الإضرار بالمصلحة العامة. فلا يجوز التساهل أو التوسع غير المدروس في منح هذه البدائل، خاصة لأولئك الذين يحملون سجلات جرمية أو قيوداً أمنية تدل على تكرار السلوك الإجرامي. إذ أن منح أرباب السوابق فرصة الإفلات من العقوبة السالبة للحرية دون ضمانات كافية قد يُفسر على أنه تهاون ويُشجع على التمادي في ارتكاب الأفعال الجرمية. من هنا، يجب أن تُراعى عند تطبيق العقوبة البديلة المعايير الدقيقة في انتقاء المستفيدين، بما يضمن عدم التعسف في استخدامها من جهة، وعدم التفريط بحقوق المجتمع وأمنه من جهة أخرى.
في المحصلة، فإن مشروع تعديل قانون العقوبات باتجاه توسيع العقوبات البديلة يُعدّ نقلة إصلاحية تتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وتُؤشر إلى نضج في الفكر التشريعي الأردني، الذي يُوازن بين حماية المجتمع وإعادة تأهيل الجاني. ومع ذلك، تبقى فعالية هذه التعديلات مرهونة بحُسن التطبيق، ورسم ضوابط واضحة لضمان عدم إساءة استخدامها، وتحقيق أهدافها في العدالة والردع والإصلاح.