يقف الذكاء الاصطناعي اليوم في قلب التحوّل العالمي، يعيد تشكيل الحياة من حولنا "التعليم، العمل، الخدمات، والتواصل"، ولكن وسط هذا التسارع الكبير، يظهر سؤال مهم جدا هل يتقدّم الذكاء الاصطناعي بالجميع؟ أم يترك فئات كاملة خارج المشهد الرقمي؟
هنا، تبرز قضية ذوي الإعاقة في التعامل مع العالم الرقمي وقدرته على أن يكون شاملًا، منصفًا، وإنسانيًا لكافة الفئات بغض النظر عن التحديات التي يواجهونها.
الإعاقة اليوم تخرج من مفهوم العجز إلى مفهوم الوصول، ولطالما ارتبطت الإعاقة في الوعي الجمعي بمفهوم النقص، بينما الحقيقة أعمق من ذلك بكثير .
ذوي الإعاقة لا يفتقرون إلى الذكاء، المهارة، الطموح، أو القدرة على الإبداع، بل يفتقرون غالبًا إلى البيئة المهيّأة والأدوات المناسبة التي تضمن لهم الوصول المتكافئ مع غيرهم.
ومع الذكاء الاصطناعي، بات من الممكن إعادة تعريف الإعاقة بوصفها اختلافًا في الوصول، لا خللًا في الشخص نفسه، فالذكاء الاصطناعي، عندما يُصمَّم بوعي حقيقي، يتحوّل من تقنية صامتة إلى جسر يعبر عليه الملايين نحو المشاركة الفاعلة في المجتمع.
الذكاء الاصطناعي كأداة تمكين لا كبديل عن الإنسان الرهان الحقيقي اليوم ليس في أن يحلّ الذكاء الاصطناعي مكان الإنسان، بل في أن يوسّع قدراته، ويعوّض القيود التي فرضتها الظروف الجسدية أو الحسية أو الذهنية.
بالنسبة للإعاقة البصرية الخوارزميات الآن بديلا للعيون، ولم تعد التقنيات المساندة تكتفي بقراءة النصوص فقط، بل باتت تفهم السياق، وتصف الصور، وتفسّر الإشارات، وتحدّد الاتجاهات ايضا.
أصبح هناك أنظمة ذكية تساعد الكفيف على التنقل، التسوق، الدراسة، والعمل باستقلالية شبه كاملة، وهنا، لا يمنح الذكاء الاصطناعي شفقة، بل يمنح فرصة للحياة.
أما الإعاقة السمعية فقد تم كسر جدار الصمت، فالذكاء الاصطناعي حوّل الصمت من عائق إلى لغة ترجمة فورية للصوت إلى نص، وتحويل لغة الإشارة إلى كلام، وتطبيقات تتيح للأصم التواصل دون وسيط أو مرشد، ولم تعد الإعاقة السمعية عزلة اجتماعية، بل اختلافًا في طريقة التلقي وتفهم الشخص للأنظمة الذكية وكيفية التعامل معها.
أما الإعاقة الحركية فقد أصبح هناك استقلالية بلا حدود من التحكم بالأجهزة عبر الصوت أو حركة العين، إلى كراسي ذكية تسهل حركة المستخدم، وصولًا إلى مساعدين رقميين يختصرون عشرات الخطوات بضغطة واحدة، فقد أعاد الذكاء الاصطناعي تعريف مفهوم الاستقلالية لذوي الإعاقة الحركية، فالتكنولوجيا اليوم لا تُجمّل الواقع، بل تعمل على تغييره جذريًا.
أما عن الإعاقة الذهنية وصعوبات التعلم
الذكاء الاصطناعي أتاح أنظمة تعليمية تتكيّف مع الأفراد من ذوي الإعاقة من خلال نمط التعلّم، والحالة النفسية للطالب
محتوى مبسّط، تفاعلي، يكرّر دون ملل، ويقيّم دون ضغط.
في المقابل هذا الإنجاز يفقد معناه الحقيقي حين نبني المنصات التعليمية دون مراعاة لما يلي: قارئ الشاشة، بساطة اللغة، التباين في الألوان ، سهولة التنقّل التعليم الذكي لا يكون ذكيًا إن لم يكن عادلًا لجميع الفئات.
فتح الذكاء الاصطناعي أبوابًا واسعة أمام ذوي الإعاقةالعمل عن بُعد، وظائف مرنة
أدوات تعوّض القيود الجسدية لكن في المقابل، ظهرت مخاطر خفية خوارزميات توظيف متحيّزة لفئة محددة منصات عمل غير مهيّأة تقنيًا لذوي الإعاقة، هنا، قد يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة تمكين إلى حارس بوابة صامت يعيد إنتاج الإقصاء بأسلوب رقمي جديد.
الإقصاء الرقمي أخطر ما في الذكاء الاصطناعي ليس بسوء النية، بل باللامبالاة عند التصميم ، فالإقصاء الرقمي لا يصرخ بل يراكم الإحباط، ويعمّق الفجوة في المجتمع، ويقصي بصمت مخيف.
لكي يكون الذكاء الاصطناعي بلا إقصاء، يجب أن يقوم على التصميم الشامل من البداية، وإشراك ذوي الإعاقة في التطوير والاختبار، وفرض تشريعات واضحة تحمي الحق في الوصول الرقمي بكل شفافية منع تحيّزها لفئة محدده، فالحق في التكنولوجيا امتداد طبيعي لحقوق الإنسان، لا منّة ولا امتياز.
نحن بحاجة إلى سياسات رقمية دامجة تدعم الابتكار الموجّه لذوي الإعاقة، وتدرج معايير الوصول في كل مشروع رقمي من خلال تدريب المبرمجين وصنّاع القرار على التصميم الشامل، فالدولة الذكية ليست الأكثر رقمنة، بل الأكثر إنصافًا للجميع.
الذكاء الاصطناعي يقف اليوم عند مفترق طرق إما أن يكون هناك أداة عادلة للجميع، أو أن يصبح شكلاً جديدًا من الإقصاء.