أخرج كل صباح أبحث عن عمل، أيّ عمل، مهما انحدرت قيمته الاجتماعية أو ضاق أجره الشهري، شأنِي شأن أي مواطن أردني يرزح تحت ظلمٍ مزمن في ظل حكومة عابرة لأدنى مراتب المسؤولية والحدّ الأدنى من الإحساس.
أدخل المحالّ التجارية، المؤسسات، الشركات… وما إن يعرفوني حتى يبدأ مشهد متكرر: ترحيب مبالغ فيه، احترام زائد عن الحد، فناجين قهوة تُقرَع، كلمات ثناء تُلقى بسخاء. يعرفون حاجتي للعمل، لكنهم ـ ومن باب "الاحترام” ـ يرفضون تعييني. السبب؟ لأنني أحمل درجة الدكتوراه في الحقوق، ولأن عمري يفرض ـ بنظرهم ـ "مقامًا” لا يليق به هذا العمل.
يقولون لي بلهجة مشفقة:
أنت تستحق وظيفة تليق بك.
أغادر شاكرًا حفاوتهم، وألعن اليوم الذي وضعت فيه قدمي على طريق الدكتوراه.
أصمت قليلًا… أفكر بحيرة موجعة… وأسأل نفسي بمرارة:
لماذا لا أبحث فعلًا عن وظيفة "تليق” بمكانتي العلمية؟
أتجه إلى الجامعات، أطرق الأبواب، أتشبث ببقايا الأمل.
فتأتيني الإجابة الصادمة، الباردة، القاتلة:
والله يا دكتور، الدكاترة معبّين البلد… والكل قاعد… ما فيه شغل.
وهنا تتفجر المأساة على حقيقتها:
لو كان والدي وزيرًا للعمل،
أو لو كانت والدتي قد نعتت الأردنيين بالكنادر،
أو لو كان جدي قد تكفّل بدفع فواتير عهرهم السياسي والأخلاقي،
لكان الحال اليوم على ما يرام،
ولما وقفت على أبواب الذل أبحث عن فرصة،
ولما صارت الشهادة عبئًا،
ولا الكرامة تهمة،
ولا المطالبة بالحق جريمة.
عندها فقط تتكشّف المفارقة القاسية:
هل أنا أستحق وظيفة مرموقة لأنني أحمل الدكتوراه؟
أم أستحق الدعس لأنني لم أكن ابنَ مسؤول، ولا حفيدَ فاسد، ولا وريثَ نفوذ؟