قراءة
في كلمات جلالة الملك بإربد: الوطن لا يُدار بالمناسبات والخدمة واجب دائم
نيروز
– خاص – محمد محسن عبيدات
حديث جلالة
الملك عبدالله الثاني خلال زيارته لمحافظة إربد يوم امس ، لم يكن مجرد ملاحظة عابرة أو توجيه إداري
مؤقت، بل جاء كرسالة وطنية عميقة الدلالة، تختصر فلسفة الحكم الرشيد، وتضع النقاط على
الحروف في مفهوم المسؤولية العامة وخدمة المواطن.
حين أكد
جلالته أن تحسين البنية التحتية والنظافة لا يجوز أن يرتبط بزيارة مسؤول، وأن ذلك واجب
دائم لأن "هذا وطننا” ولأن "كرامة المكان من كرامة أهله”، فإنه أعاد تصويب البوصلة
نحو جوهر العمل العام: أن تكون الخدمة سلوكًا مؤسسيًا مستمرًا، لا ردّة فعل موسمية
أو تجميلًا مؤقتًا للواجهة.
هذه الرسالة
تتجاوز حدود إربد، وتخاطب كل مسؤول في الأردن، في العاصمة والمحافظات، في البلديات
والمؤسسات والدوائر كافة. فهي تؤكد أن معيار الأداء الحقيقي لا يُقاس بعدد الزيارات
الرسمية ولا بحجم الصور المنشورة، بل بمدى استدامة الخدمات وجودتها، وبقدرة المؤسسات
على العمل بروح الواجب لا بروح الطوارئ.
الربط
الذي طرحه جلالة الملك بين كرامة المكان وكرامة أهله يحمل بُعدًا أخلاقيًا وإنسانيًا
عميقًا. فالمكان النظيف، والطريق المعبدة جيدًا، والحديقة المصانة، والحي المنظم، ليست
تفاصيل شكلية، بل تعبير عن احترام الدولة لمواطنيها، وعن تقديرها لحياتهم اليومية وحقهم
في بيئة لائقة وآمنة. وحين تُهمَل هذه التفاصيل، فإن الإهمال لا يصيب الحجر فقط، بل
يمس شعور المواطن بكرامته وانتمائه.
ومن زاوية
أوسع، فإن هذا الحديث الملكي يرتبط مباشرة بملفات أخرى لا تقل أهمية: الحوكمة
الرشيدة، التي تقوم على التخطيط المسبق والمتابعة الدائمة لا على الحلول الترقيعية. العدالة
المكانية، بحيث تحظى المحافظات بالخدمات ذاتها التي تحظى بها العاصمة، دون تمييز أو
تهميش. الثقة بين المواطن والدولة، وهي ثقة تتآكل حين يرى المواطن أن مدينته
تُنظَّف فقط عندما يُعلن عن زيارة رسمية، ثم تعود إلى حالها السابق بعد مغادرة الوفد.
كما أن
الرسالة تمس جوهر ثقافة العمل العام في الأردن، وتدعو إلى الانتقال من عقلية "الاستعراض
الإداري” إلى عقلية "الأداء المؤسسي”. فالمسؤول الناجح ليس من يُحسِّن الصورة مؤقتًا،
بل من يبني نظامًا مستدامًا يضمن النظافة والصيانة والتنظيم على مدار العام، دون الحاجة
إلى تنبيه أو ضغط أو زيارة.
وفي السياق
ذاته، يمكن قراءة حديث جلالته كدعوة صريحة لتعزيز دور البلديات والمجالس المحلية، ومنحها
الإمكانات والرقابة في آن واحد، حتى تكون قادرة على القيام بواجبها اليومي تجاه المواطن،
بعيدًا عن الروتين والبيروقراطية وتداخل الصلاحيات.
خلاصة
القول:ما قاله جلالة الملك في إربد ليس رسالة لإربد وحدها، بل هو ميثاق أخلاقي وإداري
لكل مسؤول أردني. رسالة مفادها أن الوطن لا يُدار بالمناسبات، ولا تُصان كرامته بالتحضيرات
المؤقتة، بل بالعمل الدؤوب، والاحترام الحقيقي للمكان والإنسان، والالتزام اليومي بأن
تكون الخدمة العامة حقًا ثابتًا لا امتيازًا مؤقتًا.
إنها رسالة
تقول بوضوح: الدولة القوية لا تظهر قوتها عند الزيارات، بل في الأيام العادية، حين
يغيب المسؤول الكبير وتبقى المؤسسات قائمة بواجبها، ويشعر المواطن أن كرامته مصانة
في كل وقت، وفي كل مكان.