في الخامس عشر من أيار، لا نستحضر مجرد تاريخٍ مرّ وانتهى، بل نستعيد وجع وطنٍ ما زال ينزف منذ سبعة وسبعين عامًا، ونُعيد رواية حكاية شعبٍ اقتُلِع من أرضه، لكنه لم يتخلَّ يومًا عن حقّه، ولم يسمح للذاكرة أن تموت.
في هذا اليوم لا نقف أمام ذكرى عابرة، ولا نسترجع حدثًا مضى وانتهى،
بل نفتح جرحًا ما زال حيًّا في ذاكرة شعبٍ كامل، ونُعيد سرد حكاية وطنٍ سُلب من أهله، وما زال ينتظر العدالة .
في مثل هذا اليوم بدأت النكبة، لكنّها لم تنتهِ عند حدود عام 1948،
فالنكبة ليست تاريخًا يُذكر في الكتب فقط، بل واقعٌ امتدّ أثره إلى حاضرنا؛
في المخيمات، وفي حكايات الجدّات، وفي أسماء القرى التي ما زالت تُحفظ عن ظهر قلب،
وفي مفاتيح البيوت التي حملها أصحابها ظنًّا منهم أن الغياب لن يطول.
فالنكبة لم تكن مجرد تهجير آلاف الفلسطينيين من بيوتهم وقراهم عام 1948، بل كانت محاولةً لاقتلاع الهوية الفلسطينية من جذورها، وطمس التاريخ، وتشتيت شعبٍ كامل بين المنافي والمخيمات.
ومع ذلك بقيت فلسطين راسخة في الوجدان، محفورة في أسماء القرى، وفي مفاتيح البيوت التي حملها الأجداد والجدّات على أمل العودة القريبة بإذن الله.
واليوم، وبعد عقود طويلة، لا تزال النكبة مستمرة بأشكال مختلفة؛ من حصارٍ وعدوان، إلى استيطانٍ ومحاولاتٍ متكررة لفرض واقعٍ جديد على الأرض، لا سيّما في القدس، التي بقيت وستبقى عنوان الهوية العربية والإسلامية.
وفي خضمّ هذه التحديات، ظلّ الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ثابتًا في موقفه تجاه القضية الفلسطينية، مؤكدًا في كل المحافل أن فلسطين ستبقى القضية المركزية الأولى، وأن السلام العادل لا يتحقق إلا بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على ترابها الوطني وعاصمتها القدس الشرقية.
كما تُجسّد الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس مسؤوليةً تاريخية ودورًا محوريًا في حماية المقدسات، وصون الطابع العربي والإسلامي والمسيحي لمدينة القدس، والتصدي لكل محاولات التهويد وتغيير الواقع التاريخي القائم.
فالأردن لم يكن يومًا بعيدًا عن القضية الفلسطينية، بل كان حاضرًا سياسيًا وإنسانيًا وتاريخيًا، يحملها في مواقفه ويذود عنها باعتبارها قضية حق وعدالة وكرامة أمة بأكملها.
وفي ذكرى النكبة، لا نُحيي الحزن فقط، بل نُجدّد العهد بأن تبقى الرواية الفلسطينية حيّة، وأن يبقى الحقّ محفوظًا مهما طال الزمن.
فالاحتلال يستطيع أن يهدم بيتًا، لكنه لا يستطيع أن يهدم ذاكرة،
ويستطيع أن يسرق أرضًا، لكنه لن يتمكن من اقتلاع شعبٍ آمن أن الوطن ليس حدودًا فقط، بل هويةٌ تُورّث، وحقٌّ لا يسقط بالتقادم.
وسيظلّ الفلسطيني متمسكًا بحقّه، وستبقى القدس بوصلتنا،
ويبقى صوت الحقّ أعلى من كل محاولات التزييف،
لأن القضايا العادلة لا تموت، ولأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها… لا تُهزم.
وفي كل عام، نُثبت أن الذاكرة أقوى من كل محاولات الطمس، وأن حقّ العودة وعدٌ لا يسقط بالتقادم، بل يظلّ حيًّا في قلوب من يؤمنون بأن الحقّ لا يموت.
رحم الله الشهداء، وفكّ أسر الأسرى، وحمى أهلنا المرابطين على أرض فلسطين،
ونسأل الله أن يأتي اليوم الذي تعود فيه الأرض لأصحابها، ويعود فيه الحقّ كاملًا غير منقوص .