لاتزال الساحة الدولية تشهد تحركات دبلوماسية مكثفة وعروض قوة عسكرية متبادلة رسمت ملامح مرحلة معقدة من "مخاض التفاوض تحت النار" بين طهران وواشنطن. نحاول في هذا التقرير، المستند إلى تحليلات مراكز الدراسات العالمية والصحف الموثوقة، ان نقدم قراءة تفصيلية في أبعاد المشهد الإقليمي والدولي ومآلات الصراع المفتوح على كل الاحتمالات ليوم السبت 16/5/2026.
تكشف التسريبات الواردة من واشنطن عن انقسام راديكالي عميق داخل أروقة إدارة الرئيس دونالد ترمب والبنتاغون؛ حيث يدفع تيار صقوري نحو توجيه ضربات عسكرية محددة ونوعية ضد أهداف إيرانية لتقويض قدرات طهران التقليدية ونفوذها الإقليمي. في المقابل، يرى تيار عقلاني آخر أن استنزاف الخيارات العسكرية قد يجر المنطقة إلى حرب إقليمية غير محسوبة النتائج، ويفضل تفعيل القنوات الدبلوماسية لانتزاع تنازلات جوهرية. ويراى مراقبون ان الرئيس ترمب يعتمد بذكاء على مدرسة "الغموض الإستراتيجي"، إذ يُلوّح بالخيار العسكري لرفع السقوف التفاوضية، في حين تظل الدبلوماسية هي غايته المفضلة لإبرام "صفقة كبرى" تحمي الأمن القومي الأمريكي وتضمن عدم حيازة طهران لسلاح نووي، وهو ما أكدته المتحدثة باسم البيت الأبيض بأن كافة الخيارات فوق الطاولة لكن الدبلوماسية تظل المسار المفضل. فلم يكن نشر ترمب لصورة السفن الحربية في مضيق هرمز مقرونة بعبارة "الهدوء ما قبل العاصفة" مجرد استعراض رقمي، بل هو توظيف كلاسيكي لإستراتيجية "حافة الهاوية" (Brinkmanship).
هل تصريحات ترمب فقعات صابون؟
يرى خبراء معهد ستيمسون بواشنطن، ومن بينهم الخبيرة باربرا سلافين، أن هذه التصريحات ليست مجرد "فقاعات صابون" فارغة، بل هي أدوات ردع نفسي وسياسي. ومع ذلك، تُظهر المؤشرات الميدانية تراجعاً نسبياً في حدة التصعيد العسكري الفوري واستبعاداً لسيناريو الحرب الشاملة؛ فالهدف الأمريكي الحالي هو الضغط الاقتصادي والعسكري الأقصى لإجبار إيران على التفاوض وهي في موقف ضعف، وليس تدمير الدولة الإيرانية الذي قد يترتب عليه انهيار شامل في أسواق الطاقة العالمية.
تُشير المعطيات الحالية، وخاصة الأنباء التي بثها التلفزيون الإيراني الرسمي حول بدء دول أوروبية محادثات مع بحرية الحرس الثوري للحصول على إذن بالمرور، إلى أن طهران نجحت جزئياً في فرض أمر واقع جيوسياسي داخل المضيق. ومما عززالاعتراف الواقعي بالنفوذ الايراني لجوء عواصم أوروبية (رغم مظلتها الأطلسية) للتفاوض المباشر مع الحرس الثوري يُمثل اعترافاً ضمنياً بالقدرة الإيرانية على تعطيل حركة الملاحة الدولية. و تأتي رسالة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى بابا الفاتيكان لتؤكد أن إيران تستخدم ورقة هرمز كأداة للمساومة؛ حيث ربط عودة الملاحة لوضعها الطبيعي بـ "استتباب الأمن"، وهي إشارة مبطنة لرفع الحصار والتهديدات العسكرية عن بلاده.
حركة الحاملات والقطع البحرية: عودة "جيرالد فورد" ودلالاتها:
إن استقبال وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث لحاملة الطائرات الأكبر عالمياً "جيرالد فورد" بعد مهمة استمرت نحو 11 شهراً في المنطقة، يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل انتهت المهمة الأمريكية؟ وفقاً للتحليلات العسكرية الصادرة عن المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS) فان الحاملة عادت للأسباب التالية:
1.الإنهاك العملياتي والتدوير الإستراتيجي: تجاوزت الحاملة جيرالد فورد حاجز الـ 300 يوم في البحر، وهي أطول فترة انتشار لقطع أمريكية منذ حرب فيتنام. عودتها ليست مؤشراً على انسحاب أمريكي، بل هي خطوة لوجستية حتمية لإجراء الصيانة وتدوير القوات بعد استنزاف طويل في ردع التهديدات.
2.بدائل الردع المتاحة: لا يعني غياب الحاملة فورد فراغاً عسكرياً، فالولايات المتحدة تمتلك شبكة من القواعد الإقليمية، فضلاً عن وجود قطع بحرية وضاربة أخرى (مثل حاملة الطائرات أبراهام لينكون والقطع المرافقة لها) قادرة على سد الفراغ وتنفيذ ضربات خاطفة إذا تطلب الأمر.
في مقابل لغة التهديد، تقود إسلام آباد وساطة حثيثة وشاقة لرأب الصدع ومنع الانفجار الكبير، مدفوعةً بمخاوفها من تداعيات الحرب على حدودها الغربية وأزمتها الاقتصادية المرتبطة بالطاقة. وقد جاءت زيارة وزير الداخلية الباكستاني لطهران المستمرة ليومين لبحث استئناف محادثات السلام وإقناع الجانب الإيراني بإبداء مرونة إستراتيجية. و البناء على "مبادرة النقاط الـ 15" وخطط وقف إطلاق النار المؤقت التي رعتها باكستان سابقاً لتقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن. اما روسيا والصين فتعملان في الخفاء والعلن (عبر مقترحات سابقة مشتركة مع إسلام آباد) على لجم الطموحات الأمريكية-الإسرائيلية لشن حرب مفتوحة، معتبرين أن استقرار الخليج خط أحمر لأمن الطاقة الصيني والعمق الإستراتيجي الروسي.
الخلاصة و مآلات المشهد
تتحرك الأزمة الحالية في مسار مرسوم بدقة تحت قواعد "الردع المرن". ورغم التحريض الإسرائيلي المستمر لجر واشنطن نحو مواجهة عسكرية شاملة ومباشرة لتصفية المشروع النووي الإيراني، فإن الحسابات الأمريكية تظل محكومة ببراغماتية ترمب الذي يفضل "الاتفاق الأفضل" على "الحرب المكلفة" (والتي تقدر أوساط البنتاغون كلفتها الحالية بمليارات الدولارات ومخاطر استنزاف مخازن الذخيرة).
إيران، من جهتها، رسخت نفوذها في مضيق هرمز كورقة ضغط أخيرة، وبدأت تجني ثمار ذلك بدفع الأوروبيين للبحث عن تفاهمات تقي سلاسل التوريد خطر الانهيار. المشهد الراهن ليس تقهقراً لأي من الطرفين، بل هو مرحلة "عض أصابع" متبادلة، تُمهد الطريق -عبر الوساطة الباكستانية المدعومة دولياً- لصياغة اتفاق جديد، تُدرك طهران تماماً (كما صرح ترمب لشبكة BFM الفرنسية) أنه المخرج الوحيد لها لتجنب "أوقات عصيبة للغاية" قد تعصف باستقرارها الداخلي والاضطرار لمواجهة الآلة العسكرية الأمريكية المعززة.