في إحدى السنوات السابقة اجتمع في بيت والدي - رحمه الله - مجموعة من وجهاء و شخصيات معروفة بخصوص موضوع الإنتخابات ، كنت وقتها في عطلة يومي الجمعة و السبت ؛ كوني أدرس في الجامعة ، تناولت سخان القهوة من أخي الكبير لكي أقوم بتقديم الضيافة للحضور و كان من بين الحضور كبيرهم ، يجلس في صدر البيت ، فما كان مني إلا أنْ توجهت نحو والدي لكي أقوم بصب القهوة له ، فلما اقتربت منه ، بدأ يشير لي بعينيه كي أعطي فنجان الضيافة لكبير الحضور ، فتجاهلت نظراته و أصررت على البدء بوالدي ، فلما رآني أصر على طلبي ، عض على شفتيه لتنبيهي بأنّ ما أفعله كارثةً في نسق منظومة القيم و العرف و العادات ، و قد لاحظ الحضور ما فعله أبي ، فقد تعالت صرخات الحضور بأن أبدأ بكبير الحضور ، فلم أستجب لهم ، فما كان من البعض إلا اطلاق العبارات التصغيرية و اتهامي بالجهل أمام الحضور ، بقولهم : *"هذا يجهل بالعرف و العادات ، و لا مختلط في الناس.. و يحتاج إلى خبرة في الحياة ، ويجب أن يختلط بالناس*.
شعرت وقتها بالضيق و أنا أسمع انتقاداتهم و كأنني ارتكبت كبيرة ، و كما شاهدت والدي و إخوتي في حالة إحراج بسبب ما قمت به حتى أن أحد إخوتي قال لي بصريح العبارة :*" لا تصب قهوة لناس بدك فت خبز "* لا أخفي عليكم أنني قمت بذلك الفعل احتراماً و تقديراً لوالدي و كوني أتابع كثيراً من الحكايات البدوية ، و أجالس كبار السن عندما كنت أدرس في الجامعة ، فقد علمت أن الشخص يجب أن يبدأ بأبيه عندما يسكب القهوة إلا أن ذلك الأمر لم نعتد عليه في مجتمعنا ، فلما خرج الحضور من الغرفة ، اقترب مني أحدهم ، و همس في أذني ، و قال :*" لا ترد على الناس ما فعلته هو الصح"* - و هذا الشيء آثار إعجابي - *إستمر على ذلك ، لا تلتفت لدعوات وإرشادات الناس ، أنت الصح ، ما حبيت أتدخل و أحكي ما فعلته صحيح خوفا من الإحراج* .
كما أتذكر عندما كنت طالبا في الجامعة ، دُعيت و مجموعة من الطلاب عند أحد الزملاء الطلاب ، فلما جُهزت وجبةُ الغداءِ ، سألت مباشرة عن والده لكي يحضر معنا ، وقتها تحدث الطالب أن والده غير متعود الجلوس مع الشباب ، و لا يود أن يحرجهم ، وقتها شعرت بالغضب و أقسمت على حضوره ، فلما سمع صوتي ، جاء يتعذر لي قائلا : *"إنتم شباب و يجب أن توخذوا راحتكم"*، فقلت له : *"فيك البركة ، يا حج !*"، فلما جلس معنا طوال الجلسة و هو ينظر إليَّ بنظرات متتابعة ، و يحدق بي طويلاً و يراقب حديثي ، شعرت وقتها بالإحراج من تصرفاته ، و خشيت أنني السببُ له بالإحراج ، فقد كان على مدار الجلسة يسأل عن اسمي و اسم والدي و عشيرتي ، فلما غادرنا أحببت أن أودعه ، و كان في غرفة أخرى ، أصابني الفضول لسؤاله عن السبب في نظراته لي و استفساره عن اسمي طوال الجلسة ، بينما آخرون من الطلبة كان لا يشاركهم الحديث و السؤال ، فأجاب هامساً في أذني بعد أن أخذني بعيداً عن ولده و الطلبة قائلا بلهجة عامية :*" طول عمر ابني بعزم أصحابه على غداء و على حلويات و على جلسات قهوة و لعبة شدة و بتشجيع مني كوني مقتدر و لله الحمد و ما عمر واحد من أصحابه سأل عني أو كلف نفسه يحكي لابني أنه أحضر معهم على سبيل المثال الغداء"*، فاستغربت تصرفك من دون الجيل الذي كان يحضر عند ولدي باستمرار و كنت أشاهدهم و هم يدخلون البيت و شعرت أنهم لا يقدرون الكبير و لا صاحب البيت ، لهذا استغربت منك التصرف هذه المرة ، فعرفت أنك لست من الذين يحضرون دائما عند ولدي ، فأحببت أن أعرف أسمك و نسل والدك و عشيرتك الطيب ، وقتها شعرت أن الجيل الحالي لا زال في خير ، كنت اعتقد أن إبني و من يأتي عنده يمثلون هذا الجيل الذي لا يحترم الكبير ، فلما شاهدتك ايقنت أن الدنيا لا تزال بخير " ، فشكرته بحرارة و قبلت رأسه ، فقال و هو يضحك و يبتسم : " و كمان قبلة على الرأس ، لا و هيك كثير لازم تعطي شوية من أخلاقك و تصرفاتك لابني ، خليه يصير يحترم والده....
عن أبي الدرداء قال : سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "الوالد أوسط أبواب الجنة ، فإن شئتَ فأضع ذلك البابَ أو احفظه.."
*و يبقى الابُ دائما وابداً هو موضع الأحترام و التقدير* .