حين نكتب عن محمد باشا الهروط، فإننا لا نؤرخ لمسيرة فردٍ فقط، بل نستحضر نموذجًا وطنيًا نادرًا آمن بأن المنصب تكليف لا تشريف، وبأن الرتبة لا تصنع الرجل، بل الرجل هو من يمنح الرتبة معناها وهيبتها. كان حاضرًا حيث يشتد الواجب، ثابتًا حين تتعقّد اللحظة، واضحًا في القرار، نقيّ السيرة، صادقًا مع الله والوطن والناس.
لم يكن الطبيب الذي يُجيد مهنته فحسب، بل الإنسان الذي يفهم وجع الناس قبل أن يسمعه، ويقرأ القلق في العيون قبل أن يظهر في الملفات. لذلك ارتبط اسمه بالطمأنينة، وصار حضوره مرادفًا للثقة، وكلمته ميزانًا للمسؤولية. هكذا تُصنع السمعة الحقيقية، وهكذا يُبنى القبول الصادق.
في ساحات العمل، كان الانضباط نهجه اليومي، والالتزام لغته، والتواضع عنوانه. لم يعرف الاستعراض، ولم يتكئ على الضجيج، فكان تأثيره أعمق وأبقى. قاد بالقدوة، وربح احترام من عملوا معه ومن عرفوه؛ لأن الاحترام لا يُفرض… بل يُكتسب.
واليوم، وهو يغادر موقع الخدمة الرسمية، فإن الوطن لا يودّعه، بل يشكره؛ يشكره على سنوات السهر، وعلى قرارات اتُّخذت بضمير، وعلى مواقف قُدّمت فيها مصلحة الأردن فوق كل اعتبار. يشكره لأنه كان حيث يجب أن يكون، وكيف يجب أن يكون.
إن التقاعد للكبار ليس انسحابًا من المشهد، بل انتقال إلى موقع الرمزية؛ حيث يُشار إليهم بالبنان، وتُروى سيرتهم للأجيال، ويُقال: هنا مرّ رجلٌ من طرازٍ مختلف… رجلٌ كفى ووفى، وأدى الأمانة كما ينبغي، وترك المكان أفضل مما كان عليه.
الحمد لله على السلامة يا باشا…
سلامة المسيرة، وسلامة الاسم، وسلامة الإرث الذي سيبقى شاهدًا على أن في هذا الوطن رجالًا إذا ترجّلوا عن مناصبهم، ظلّ المجد واقفًا احترامًا لهم.