بقلم العميد الركن المتقاعد الدكتور عبدالمجيد علي الكفاوين
لم يعد الأمن الوطني في الدولة الحديثة مقصورًا على الأبعاد العسكرية أو الأمنية التقليدية، بل تطوّر ليغدو منظومة شاملة تتكامل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، بهدف حماية الإنسان وصون استقرار المجتمع وضمان استمرارية الدولة ومؤسساتها في مواجهة مختلف التحديات والتهديدات. وفي هذا السياق، تبرز السلامة الوطنية بوصفها ركيزة استراتيجية محورية في تعزيز الأمن الوطني بمفهومه الشامل، باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة المخاطر والأزمات غير التقليدية.
وتُعنى السلامة الوطنية بحماية أرواح المواطنين والبنية التحتية الحيوية والموارد الوطنية، من خلال منظومة متكاملة تقوم على الوقاية، وإدارة المخاطر، والجاهزية، والاستجابة الفاعلة للكوارث الطبيعية، والأزمات الصحية، والحوادث الكبرى. وتُعدّ كفاءة هذه المنظومة مؤشرًا جوهريًا على جاهزية الدولة وقدرتها على الحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية، إذ إن أي قصور في منظومة السلامة ينعكس مباشرة على الاستقرار الوطني، ويؤثر سلبًا في مستوى الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ومن منظور استراتيجي، تسهم السلامة الوطنية في تقليل الهشاشة الوطنية وتعزيز الصمود المجتمعي، عبر ضمان استمرارية الخدمات الأساسية وحماية المرافق الحيوية في أوقات الأزمات، والحد من الآثار الثانوية للأحداث الطارئة التي قد تتحول، في حال سوء إدارتها، إلى أزمات أمنية أو سياسية أوسع. كما تحدّ من فرص استغلال الأزمات لزعزعة الاستقرار أو التأثير في القرار الوطني، بما يعزّز مناعة الدولة على المدى المتوسط والبعيد.
وفي المقابل، لا يمكن تحقيق سلامة وطنية فاعلة دون بيئة أمنية مستقرة، تقوم على سيادة القانون وتكامل الأدوار بين القوات المسلحة، والأجهزة الأمنية، وسائر مؤسسات الدولة. فالأمن الوطني يشكّل الإطار الحاكم الذي يوفّر التنسيق المؤسسي والموارد اللازمة، ويضمن جاهزية الاستجابة الوطنية الشاملة.
إن التكامل بين السلامة الوطنية والأمن الوطني يجسّد الانتقال إلى مفهوم الأمن الشامل القائم على الوقاية والتخطيط الاستباقي وبناء القدرات الوطنية. وفي النموذج الأردني، يتجلّى هذا النهج في الرؤية الهاشمية التي وضعت الإنسان في صلب معادلة الأمن، مؤكدة أن حماية الوطن تبدأ بحماية المواطن، وأن السلامة الوطنية تمثل خيارًا استراتيجيًا سياديًا لاستدامة الأمن والاستقرار.