يُعد قطاع زيت الزيتون أحد الركائز الأساسية للاقتصاد التونسي، لما يمثله من وزن في الصادرات الفلاحية ومورد رئيسي للعملة الصعبة إضافة إلى دوره الاجتماعي في تأمين فرص عمل لآلاف العائلات في المناطق الريفية.
ومع تنامي هذا القطاع الحيوي، فقد برزت السنوات الأخيرة تحديات متزايدة، في مقدّمتها التغيرات المناخية وتقلبات الأسواق العالمية إضافة إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج.
وقد شهدت تونس تذبذبا واضحا في كميات إنتاج الزيتون نتيجة تواتر فترات الجفاف، وارتفاع درجات الحرارة، وعدم انتظام التساقطات المطرية، ما أثر مباشرة على مردودية الأشجار وجودة الثمار، وأدى إلى تفاوت كبير بين المواسم.
ويؤكد مختصون في الشأن الزراعي أنّ التغير المناخي بات عاملا حاسما في تحديد حجم الإنتاج السنوي، إذ أصبحت المواسم الجيدة مرتبطة بوفرة الأمطار في فترات دقيقة من الدورة الزراعية، في مقابل مواسم ضعيفة تتسم بندرة المياه والإجهاد الحراري.
وبحسب المرصد الوطني للفلاحة، يوجد في تونس نحو 120 مليون شجرة زيتون موزعة على أكثر من 2 مليون هكتار، أي قرابة 46 بالمئة من إجمالي الأراضي الفلاحية و80 بالمئة من المساحة المخصصة للأشجار المثمرة.
ويبلغ عدد الفلاحين العاملين في إنتاج الزيتون حوالي 300 ألف فلاح، وتتوزع الأشجار في جميع مناطق تونس من شمالها إلى جنوبها مما جعلها تعد واحدة من أهم دول العالم في إنتاج وتصدير زيت الزيتون، إذ غالبا ما تكون في المراتب الأربع الأولى في إنتاج زيت الزيتون الزّيتون في العالم، بمعدل 300 ألف طن وثاني مُصدّر بمعدل 226 ألف طن في 2025.
وأمام هذه الأرقام الإيجابية فإن هذا القطاع ليس مجرد نشاط فلاحي، بل هو شريان اقتصادي رئيسي يساهم بشكل كبير في توفير العملة الصعبة، إضافة إلى فرص عمل هامة وتنشيط الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المناطق الريفية.
وفي هذا الصدد، أشار حمادي البوبكري عضو الاتحاد التونسي للفلاحة في تصريح لوكالة الأنباء القطرية /قنا/ إلى أن تونس احتلت المرتبة الثانية بعد إسبانيا في إنتاج زيت الزيتون إلى حدود أكتوبر 2025 وصدارة تصدير الزيت البيولوجي.
وبيّن البوبكري أن القطاع يشغل قرابة 20 بالمائة من اليد العاملة الفلاحية إذ تصدر تونس حوالي 200 ألف طن من زيت الزيتون من بينها 29 ألف طن معلبة.
وأضاف أن العائدات السنوية بقرابة 700 مليون دولار، مشيرا إلى أنّه لا بد من التركيز مستقبلا على مسألة بيع زيت الزيتون معلبا لدعم مداخيل البلاد أكثر من العملة الصعبة، لا سيما وأن موسم زيت الزيتون 2025/ 2026 يعدّ استثنائيا من حيث المحصول.
و بحسب وزارة الفلاحة فإنّ الجزء الأكبر من الصادرات يصدّر في شكل زيت سائبة بحوالي 86 بالمائة بينما تشكّل الزيوت المعلبة نسبة صغيرة تتراوح غالبا بين 13 و15 بالمائة، ما يقلّل القيمة المضافة للمنتج، ويجعل العائدات أكثر ارتباطًا بتقلبات الأسعار الدولية، مقارنة بزيت الزيتون المعلّب ذي العلامات التجارية.
ويواجه قطاع زيت الزيتون في تونس ضغوطا متزايدة على مستوى الأسواق الدولية؛ أبرزها تقلب الأسعار العالمية واشتداد المنافسة من دول منتجة كبرى مثل إسبانيا، فرغم ارتفاع كميات التصدير في بعض المواسم، فإن العائدات المالية لا تعكس دائما هذا النمو، بسبب تراجع الأسعار في الأسواق الخارجية.
وفي هذا الإطار، أشار فوزي الزياني المختص في السياسات الفلاحية، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إلى أن تونس تمكنت حتى الآن من تصدير نحو 195 ألف طن من الزيت، مع عائدات تقدر بـ 2700 مليون دينار، أي بحوالي 900 مليون دولار فقط، لا سيما أن تونس لم تكتشف أسواقا جديدة بعد لترويج زيت الزيتون، مؤكدا أنّ صادرات تونس تتركز بنسبة تقارب 60 في المائة لأوروبا، و24 في المائة لأمريكا، و9 بالمائة فقط لإفريقيا، مقابل غياب الأسواق الآسيوية.
ولفت المختص في السياسات الفلاحية إلى أن تراجع العائدات المالية لصادرات زيت الزيتون التونسي كان متوقعا منذ الموسم الماضي، بسبب الانخفاض الكبير في الأسعار العالمية.
وكان عز الدين بن الشيخ، وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري التونسي، قد أكد وجود فرص واعدة لتعزيز قطاع زيت الزيتون، على غرار النفاذ إلى الأسواق غير التقليدية، وترسيخ العلامات التونسية في الخارج، والاستثمار في البحث العلمي لتحسين الجودة، إضافة إلى دعم روح المبادرة من خلال بعث مؤسسات ناشئة تُعنى بالتعليب والتسويق والخدمات الرقمية المرتبطة بالقطاع.
وبيّن الوزير التونسي، في السياق ذاته، أن الجودة العالية لزيت الزيتون التونسي وخصائصه الحسية المميزة مكنته من تعزيز حضوره في أكثر من 60 سوقا على المستوى الدولي، مع تنامٍ ملحوظ لصادرات زيت الزيتون البيولوجي والزيوت المعلّبة خلال السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أنّ هذا القطاع يساهم بحوالي 45 بالمائة من عائدات تصدير المواد الفلاحية الغذائية.
وبحسب الوزارة ستشهد تونس خلال موسم 2025 - 2026 محصولا قياسيا في إنتاج زيت الزيتون؛ إذ من المنتظر أن يصل حجم الإنتاج إلى حوالي 340 ألف طن، بزيادة قدرها 47 في المائة مقارنة بالموسم الماضي.
وقد تمكنت تونس من تصدير 195 ألف طن من زيت الزيتون، من بينها 40 ألف طن زيت بيولوجي، وذلك نحو أكثر من 60 بلدا في العالم، خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2025.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يواجه إنتاج زيت الزيتون تحديات مناخية كبيرة؛ إذ كشف تقرير صادر عن وزارة البيئة عام 2022 بعنوان "الآثار الاقتصادية لتغير المناخ في تونس: المخاطر والفرص" أنّ تونس ستشهد بحلول عام 2050 خسائر سنوية، تقدّر بنحو 220 مليون دولار في صادرات الزيتون نتيجة التغيرات المناخية.
وأكد التقرير في الصدد ذاته أن شح المياه الناجم عن تراجع الأمطار وارتفاع درجات الحرارة سيكون له تأثير مباشر على إنتاج الزيتون.
وحول هذه المسألة، قال فوزي الزياني، الخبير في السياسات الزراعية، إن الأصناف المحلية أثبتت قدرتها على التأقلم والصمود أمام التغيرات المناخية، مشيرا إلى أن الأصناف الموجودة في تونس لم تتأثر بشكل كبير بارتفاع درجات الحرارة خلال السنوات الأخيرة، مقارنة ببعض الأصناف المستوردة من الخارج التي شهدت تأثيرا أكبر.
وأضاف: هذا يدعونا إلى تشجيع البحث العلمي أكثر للعمل على الأصناف المحلية وتطويرها لمواجهة هذه التغيرات، ودعم مخابر البحوث العملية بالموارد المادية والبشرية للوصول إلى أصناف تكون مقاومة أكثر للتغير المناخي، لأنه في السنوات المقبلة من المحتمل أن تتأثر هذه الأصناف التي صمدت.
وأكد أن البحث العلمي يشكل أفضل سند للفلاحين من خلال مباشرتهم لتطوير كل الأصناف المحلية للحفاظ على الإنتاج، خاصة أن أهم عامل مناخي يؤثر على شجرة الزيتون هو الارتفاع الشديد لدرجات الحرارة ثم قلّة الأمطار.
على صعيد آخر، أشار الخبير في السياسات الزراعية إلى أنّ خارطة توزع التساقطات في تونس باتت تشهد تغيرات كبيرة، لا سيما أنه تمّ تسجيل نسبة تساقطات مهمة في الوسط والجنوب، مما يدعو إلى التشجيع على الزراعات في تلك المناطق والاعتماد بشكل كبيرة على سياسات جديدة لتخزين المياه، خصوصا عبر بحيرات جبلية ومقاومة حفر الآبار العشوائية في كلّ الجهات لتفادي استنزاف الثروة المائية الباطنية.