لا يمكن لأي دولة تسعى إلى الاستقرار والتقدم أن تبني حياتها السياسية على الفردية أو المصالح الضيقة. العمل الحزبي ليس ترفاً فكرياً ولا شعارات موسمية، بل هو ركيزة أساسية في بناء دولة المؤسسات والقانون. الأحزاب السياسية هي المدرسة الحقيقية لإعداد القيادات، وهي الإطار المنظم الذي يحول طموحات الأفراد إلى برامج عمل ورؤى قابلة للتنفيذ.
عندما ينخرط المواطن في حزب سياسي، فهو لا يبحث عن منصب، بل يختار أن يكون جزءاً من مشروع وطني واضح المعالم. الحزب الجاد لا يقوم على الأشخاص بل على البرامج، ولا يعيش على ردود الفعل بل على التخطيط والمبادرة. ومن خلال الأحزاب، تتبلور الأفكار، وتُناقش السياسات، ويُحاسَب الأداء، ويصبح التنافس قائماً على البرامج لا على العصبيات.
إن المرحلة التي نعيشها تتطلب وعياً سياسياً متقدماً، وانتقالاً حقيقياً من ثقافة الفرد إلى ثقافة العمل الجماعي المنظم. فالإصلاح السياسي لا يتحقق بالخطابات، بل ببناء أحزاب قوية قادرة على تشكيل حكومات برلمانية فاعلة، وتقديم بدائل حقيقية، وتحمل مسؤولية القرار.
المشاركة في الأحزاب تعني المشاركة في صناعة المستقبل. وتعني أن يكون لك صوت مؤثر في رسم السياسات الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية، بدلاً من الاكتفاء بالمشاهدة أو الانتقاد من الخارج. الأحزاب ليست حكراً على فئة دون أخرى، بل هي مساحة مفتوحة لكل صاحب فكر ورؤية وإرادة.
الدولة القوية تحتاج إلى أحزاب قوية، والمجتمع الواعي يحتاج إلى تنظيم سياسي يعبر عنه. ومن يؤمن بالإصلاح الحقيقي عليه أن يؤمن أولاً بالعمل الحزبي كطريق مؤسسي حضاري للتغيير.
فليكن انخراطنا في الأحزاب خطوة نحو تعزيز الديمقراطية، وترسيخ مبدأ تداول السلطة، وبناء مستقبل يليق بأبنائنا.